رحيل الماغوط يفقد الثقافة العربية أحد ألمع وجوهها   
الأربعاء 1427/3/6 هـ - الموافق 5/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 2:03 (مكة المكرمة)، 23:03 (غرينتش)
محمد الماغوط رائد القصيدة النثرية (الفرنسية)

اعتبر مثقفون عرب أن العالم العربي فقد برحيل الكاتب والشاعر والمسرحي السوري محمد الماغوط واحدا من أبرز وجوهه الثقافية، وأبرز رواد قصيدة  النثر وألمع الكتاب السياسيين الساخرين.
 
وقال الناقد والروائي السوري خليل صويلح الذي أصدر كتابين عن أعمال الماغوط الذي لقي حتفه بدمشق الأحد "كتب الماغوط قصيدة النثر التي انطلق بها ولم يع ذلك إلا بعد أن بدأ حديث الأوساط الشعرية عن هذا الأمر".
 
من جهته اعتبر الناقد الفلسطيني فيصل دراج أن الماغوط "من الشخصيات البارزة، فهو مرآة للثقافة العربية منذ نهاية الخمسينات ووصل إلى  حدود السخرية الفاقعة في مقالاته الانتقادية للواقع العربي متوجها فيها إلى رجل  الشارع الذي يشاركه حياته البسيطة".
 
وأشار إلى أن الماغوط حداثي مجدد ومبدع بالإضافة إلى صفته النضالية، وقال دراج إن الماغوط كان ولا يزال من رواد قصيدة النثر التي انتسبت إليها لاحقا أجيال شعرية عربية كثيرة.
 
وأكد أنه رغم أن الماغوط لم يكن مكثرا في كتاباته ولا من المروجين للشهرة أو الباحثين عنها، فقد بقي حتى اليوم المؤسس الحقيقي والرائد الأول لقصيدة النثر.
 
إبداعات الماغوط
وفي مجالات الإبداع المختلفة التي تمتع بها الراحل، لفت دراج إلى "تعدد مستويات إبداعات الماغوط، فهناك قصيدته وهناك مسرحياته الشعرية وهناك مسرحياته الهجائية التي تعاون فيها مع الممثل دريد لحام وهناك مقالته  النثرية".
 
واعتبر دراج أن كتابه "سأخون وطني" تعبيرا حزينا عن الإنسان الصادق الذي يبدأ متقدا بالحماس ثم ينتهي إنسانا هامشيا يقاتل كي يحتفظ بهامشيته، وربما يكون  من الحالات الشعرية القليلة جدا التي عبرت عن اغتراب الإنسان العربي منذ أوائل  الستينات.
 
وللماغوط العديد من المؤلفات الشعرية أهمها "حزن في ضوء القمر" و "غرفة بملايين  الجدران" وكان آخر كتبه "البدوي الأحمر" الذي تضمن الشعر والنص الأدبي الساخر.
 
الماغوط والممثل السوري دريد لحام (الفرنسية-أرشيف)
وعلى صعيد إغناء الساحة الفنية في العالم العربي قدم أهم مسرحية عالجت هزيمة 1967 "ضيعة تشرين" واتبعها بمسرحية "غربة" عن الاغتراب الذي يعيشه المواطن العربي  بعد حرب 1973، إلى جانب "كأسك يا وطن".
 
ومن أهم المسلسلات التلفزيونية التي ألفها "حكايا الليل" و "وين الغلط" و "وادي  المسك" إلى جانب فيلمي "الحدود" و "التقرير".
 
وولج الماغوط عالم قصيدة النثر عندما أطلق أولى قصائده من دون أن يدرك أنه خاض في عالم جديد، وذلك بعد خروجه من سجن المزة قرب دمشق حيث أمضى تسعة أشهر عام 1955 كمعتقل سياسي ينتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وكان لم يتجاوز العشرين  من عمره.
 
وكان الراحل تحدث عن بدايته الشعرية قائلا إن الفقر والسجن وأحذية الجنود والهزائم جعلت منه شاعرا وكاتبا لم يختره ولم يكن يعتقد أنه سيكونه.
 
رائد النثر
وجدد الناقد السوري المقيم بباريس صبحي الحديدي تأكيد إنجازات الماغوط في قصيدة النثر ورياديته فيها، فقال "إن الماغوط الرائد الحق لما نسميه اليوم قصيدة  النثر العربية، ليس بمعنى أنه كتب نماذجها الأبكر، بل في ما يخص ثلاثة إسهامات كبرى أخذت صيغة انفرادات ريادية بالفعل".
 
وأشار الحديدي إلى أنه كان الصانع الأمهر في تفجير الطاقات الإيحائية والتعبيرية الشعرية  الهائلة التي ينطوي عليها النثر، وكانت فطرته في هذا فطرة الشعر الخالص والشعر الطبيعي.
 
"
برحيل الماغوط يختفي آخر العمالقة الساخرين، لكن ابتسامته تبقى شاهدا مثل كتاباته على ذئبية نظامنا العربي
"
وهو ثانيا "أحدث ثورة في موضوعات قصيدة النثر" حين نقلها من الذهني والميتافيزيقي إلى شؤون الشارع العريض، وشعريات الصعلكة والحرمان والقهر والحزن واليأس والأمل.
 
وذكر الحديدي أن الماغوط عمل على ترسيخ تلك الحداثة الخاصة ذات الطراز الفريد التي انفرد بها حين أفلح في النجاة من داء تقليد الحداثات الغربية.
 
من جهته قال الروائي الفلسطيني حافظ البرغوثي رئيس تحرير يومية الحياة الجديدة الصادرة في رام الله، إنه برحيل الماغوط "يختفي آخر العمالقة الساخرين، لكن ابتسامته تبقى شاهدا مثل كتاباته على ذئبية نظامنا العربي وبدائية مجتمعاتنا" وكان يحاول أن يحضنا على الصعود لكننا بقينا نراوح مكاننا.
 
واعتبر أن تواضع الشاعر "جعله يقترب أكثر من واقعه" فكتب مقالات ومسرحيات نقلت المجتمع العربي بنخبته ونظامه ورعيته إلى خشبة المسرح، وظل يرقب من بعيد.
 
وأكد البرغوثي أن الماغوط حال متفردة في شعره ومقالاته ومسرحياته المليئة بالسخرية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة