حديقة السوريين في أنطاكية تروي مآسيهم   
الاثنين 12/3/1435 هـ - الموافق 13/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:43 (مكة المكرمة)، 15:43 (غرينتش)
حقوقي يبيع القهوة في حديقة السوريين بأنطاكية (الجزيرة)

عمر أبو خليل-أنطاكية

لم يجد أحمد عملا في أنطاكية منذ أن لجأ إليها هرباً من لظى الحرب التي تلتهم الأخضر واليابس في بلده سوريا. ولأنه لا يملك المال الذي يكفيه لاستئجار منزل أو المبيت في نُزُلٍ، لم يجد بُداً من الإقامة في حديقة عامة بالمدينة، يفترش مقاعدها، ويلتحف سماءها، ويعيش مما يعطيه رفيق له، قد يحنو عليه أحياناً ويدعوه لقضاء ليلة أو يزيد في بيته، عندما يغيب أحد أفراد أسرته.

أحمد غادر مدينته اللاذقية، عندما ارتكب النظام السوري مجزرة ساحة العلبي، وتوجه لجبل الأكراد، ولم يلبث أن غادره، خوفاً من الموت. "كنت دائماً في طليعة المتظاهرين في حي الصليبة والرمل بمدينة اللاذقية، ثم انتسبت للجيش الحر، وعندما انقطع الدعم عنا، نزحت إلى هنا. أعمل في البناء يوماً، ولا أجد عملاً أياماً، ولا أملك أجرة غرفة، وبالكاد أتدبر طعامي"، هكذا فتح أحمد قلبه للجزيرة نت.

في الحديقة يجتمع الشبان الباحثون عن عمل، علهم يصادفون من يساعدهم في إيجاد عمل يعيشون منه. وفي الحديقة يبث كل منهم همه وشكواه للآخر، ويتذكرون أيام المظاهرات السلمية، وانتصارات الجيش الحر في بداياته.

باتت حديقة أنطاكية ملاذاً ومتنفساً للاجئين السوريين حتى أضحت تُسمى باسمهم. هنا لا أحد يسأل: من أين أنت؟ ولا عن هوية أو مذهب، موالٍ أم معارض، الجميع سوريون فقط، يجمعهم الانتماء للوطن، والنزوح هرباً من الموت.

وحديقة السوريين في أنطاكية ربما تكون الأكثر شهرة من بين كل الحدائق، إذ يؤمها النازحون من كل أرجاء سوريا، ليس بقصد الفسحة والتنزه، بل لتبادل أخبار المعارك والموت والأهل، في الديار التي هجروها.

قصص وحكايات
وفي الحديقة نفسها تُروى قصص لا تنتهي عن الألم والمعاناة التي يعيشها المدنيون في سوريا.

نساء يبعن العصائر في الحديقة (الجزيرة)

رامز الشاب الحمصي، يحكي معاناته إذ يقول "نزحت مع أهلي من حي الخالدية، وتبرع لنا أحد المحسنين ببدل إيجار المنزل. منذ الفجر، أقصد الحديقة بحثاً عمّن يطلب عمالاً، وغالباً لا أجد أحداً. أخشى على أخوتي الصغار من الجوع، فمردود عمل والدي في مقهى شعبي، لا يكفينا طعام نصف شهر".

إنه حال أغلب النازحين في أنطاكية. يتردد صدى عوزهم ومعاناتهم في سماء الحديقة، حيث يجتمع كبار السن هنا لتمضية وقتهم، وبعضهم يفتتح بسطة صغيرة، يبيع عليها ما ملكت يداه من سلع، لعله يضمن قوت يوم أسرته، ويقيه الذل.

الحقوقي عاشور، في الستين من عمره، يبيع القهوة من دلة على مقعده الذي بات معروفاً في الحديقة. يروي للجزيرة نت معاناته قائلاً "لا أستطيع ممارسة الأعمال الشاقة، فاستدنت ثمن الدلة، لأبيع القهوة هنا للسوريين العاطلين عن العمل وكبار السن الذين يمضون أغلب وقتهم هنا. أكسب حفنة ليرات، أشتري بها طعام عائلتي، وزوجتي تعمل خياطة، تقاسمني المعاناة".

هذه قصص مألوفة تتكرر باستمرار، ولكن أن تضطر أسرة للمبيت في الحديقة، فهو الأمر الغريب. أثناء وجودنا في الحديقة، وقفنا على حال أربع أسر بلا مأوى، كان أفرادها يجهزون المكان للنوم على العشب دون أغطية أو فراش يقيهم برد الشتاء القارس، لكن محامياً نازحاً فتح لهم مكتبه المتواضع، ليبيتوا ليلتهم.

أم حسين هي واحدة من أفراد إحدى الأسر الأربعة. وعندما دعاهم المحامي للمبيت انهمرت الدموع من عينيها، ورفعت يديها إلى السماء متضرعة بصوت متهدج "الله لا يسامحهم، ليسوا إلا مثل بشار" الأسد، في إشارة على ما يبدو إلى سلطات المدينة التركية.

حال اللاجئين في أنطاكية يبعث على الحزن والغضب معاً. ولم تقتصر لعنتهم على النظام الحاكم في دمشق وحده، بل طالت القوى السياسية المعارضة كذلك.

وهذا هو الشاب أحمد، الفتى القادم من اللاذقية. لم يخف هو الآخر غضبه من مؤسسات المعارضة فاتهمها بسرقة أموال الإغاثة ومخصصات دعم الشعب المنكوب، والإقامة في الفنادق الفخمة وركوب السيارات المكيفة بينما يعيش اللاجئون على الكفاف أو أقل من ذلك. يقول أحمد "قادة المعارضة يرفلون في حياة النعيم بالمنفى ونحن نكاد نتجمد من البرد".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة