الإبداع بين المثقف العربي والسلطة   
الجمعة 1433/4/9 هـ - الموافق 2/3/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:20 (مكة المكرمة)، 10:20 (غرينتش)
يوسف ضمرة
 
عندما نتحدث عن الإبداع فإننا نعني تلك التجربة الجمالية الفردية التي تضاف إلى تجارب الآخرين.. ولأننا نقول فردية، فقد يفهم البعض من ذلك أن هذه التجربة مقرونة بالعزلة والانكفاء على الذات والابتعاد عن الواقع، وبالتالي فهي تجربة لا تهم سوى صاحبها، ولا تعني للآخرين شيئا.

ويستدعي هذا التنويه إلى أن التجربة الجمالية الفردية ليست وليدة ذاتها، بقدر ما هي محصلة لتفاعل الذات المبدعة مع الواقع المعيش، من أدق الخصوصيات إلى أكبر العموميات. وإذا ما كان هنالك فارق ما بين المبدع وغيره، فهو يتعين في قدرة المبدع على خلق مسافة نقدية بينه وبين البنية الاجتماعية من جهة، وبينه وبين ذاته من جهة أخرى!!

فالمبدع مرتبط بالواقع، أي أن هنالك شبكة من العلاقات المتنوعة والمتباينة، يقع المبدع في نقطة منها، وهذه النقطة بالتحديد هي التي توفر له هذه المسافة، بحيث يتمكن من رؤية ما ينبغي له أن يراه، وهو ما لا يتمكن منه لو كان منخرطا تماما في البنية ذاتها.. وهكذا يصوغ رؤيته المختلفة ويحاول تعميمها على الآخرين.

الثقافة السائدة هي واحدة من آليات البقاء والهيمنة، وهي آلية أكثر أهمية من الآليات المباشرة الأخرى، نظرا لفاعليتها العميقة في المجتمع
وهو بهذه الرؤية المختلفة يدرك ما لم يكن متاحا لآخرين سواه، أي أن الإبداع ينطوي على معرفة، لكنها ليست معرفة مباشرة تستمد مما هو علمي ومادي وملموس، بمقدار ما هي معرفة تستند إلى خيال قادر على اختراق "الآن والهنا"، ولعلها إذا معرفة أكثر قيمة من كثير من المعارف الأخرى، من خلال اهتمامها المنصب على المسائل الجوهرية في الحياة! والقيمة الأبرز للإبداع في هذا السياق تتمثل في كون المعرفة  تأتي بأشكال فنية وصيغ جمالية تنطوي على الكثير من الدهشة والإمتاع!

لكن هذه المعرفة -ورغم أهميتها- لا ينبغي لها أن تتحول إلى هدف مباشر في الإبداع، بحيث يتحول الإبداع حينها إلى عمل مبرمج يؤدي وظيفة محددة.. فالإبداع مشروط بحريته المطلقة، الحرية التي تسمح للمبدع بالغوص في أعماق النفس البشرية، وتلمس مواطن الضعف والارتباك وما إلى ذلك، إلى الحد الذي قد يبدو الإبداع عدميا أحيانا في نظر الآخرين، وهو ليس كذلك بالطبع، ولا يستطيع أن يكون.

ولا يفوتنا التنويه إلى أن المبدع ينطلق من موقع الرائي وليس من موقع العارف الكلي، وما الإدراك الذي أشرنا إليه من قبل إلا إدراك الخلل، وهو ما لا يعني بالضرورة أن المبدع يمتلك الحلول الجوهرية. لكن المبدع يمتلك الجرأة والقدرة على السؤال، ذلك السؤال الذي لم نكن نحن قادرين على طرحه على أنفسنا من قبل.. وهو الذي يقودنا للبحث عن الإجابات الملائمة، وفي رحلة البحث عن هذه الإجابات تتشكل المعرفة.

تتميز التجربة الإبداعية بالقلق المشروع، الناجم عن عدم الرضا مما هو سائد ومألوف، وهو قلق مقرون بالرفض لما هو كائن وقدري.

السلطة تسعى دائما لتكريس ذاتها كمؤسسة قانونية، وهي تحمل للحياة وللقيم مفاهيم ثابتة وجامدة.. مفاهيم تعزز مكانتها وأحقيتها في البقاء كقاض ومشرع وأداة

إن المبدع لا يرى في الأشياء اكتمالا حقيقيا، وهو يرى القيم الإنسانية منقوصة ومنتهكة، فالحرية والحب والتضحية قيم لا حدود لها ولا نهايات، ومن هنا برزت على الدوام تيارات متباينة في التجربة الإبداعية عبر التاريخ، ولكنها التقت دائما على رفض ما هو قائم، سواء أكانت تلك التيارات فوضوية أم وجودية أم واقعية أم غير ذلك. ولا ينبغي لنا في هذا السياق أن نتحول إلى قضاة للحكم لصالح تيار دون آخر، فليس هذا هو المجال الملائم.

هذه الرؤية للتجربة الإبداعية تفترض -كما أشرنا من قبل– مسافة بين المبدع والسلطة بأشكالها المتعددة. فالسلطة دائما تسعى لتكريس ذاتها كمؤسسة قانونية، وهي تحمل للحياة وللقيم مفاهيم ثابتة وجامدة.. مفاهيم تعزز مكانتها وأحقيتها في البقاء كقاض ومشرع وأداة. ولأن السلطة تدرك ذلك جيدا، فإن علاقتها بالمبدع تنطوي على قدر كبير من التوجس والشك والحذر، وغالبا ما تترجم السلطة هذا كله إلى سلوك عدائي يتعين في أشكال عدة.

وكلما كانت السلطة أقل شرعية، كانت بالضرورة أكثر استبدادا، وكان تعسفها على المبدع أكبر وقعا وأشد أثرا. وكلما كانت السلطة أشد سلفية وأكثر ماضوية كانت المسافة بينها وبين المبدع أطول.. وليس غريبا إذاً أن يكون العداء سافرا في الوطن العربي بين المبدع والسلطة.

إن هذه السياسات الثقافية هي جزء من سياسة عامة تنطلق أساسا من مبدأ الحفاظ على السلطة وتكريسها، وهي من أجل ذلك تستعين دائما بشريحة ثقافية تتبنى ثقافة السلطة وتقوم على نشرها وتعميمها في المجتمع.
 
تتميز التجربة الإبداعية بالقلق المشروع، الناجم عن عدم الرضا مما هو سائد ومألوف، وهو قلق مقرون بالرفض لما هو كائن وقدري
وهكذا فإن الثقافة السائدة هي واحدة من آليات البقاء والهيمنة، وهي آلية أكثر أهمية من الآليات المباشرة الأخرى، نظرا لفاعليتها العميقة في المجتمع، من خلال أفراد وجماعات قادرين على تزيين هذه الثقافة والمفاهيم وتغليفها بمبادئ الحرص على الأمن والسلامة والأوطان الفردوسية التي هي في جوهرها الكائن ليست أكثر من ممتلكات شخصية بالمعنى الحرفي.. ويقوم هؤلاء المثقفون مثلا بتحويل حروب السلطة إلى حروب وطنية، وتتحول القوانين الفوقية والاستبدادية إلى شرائع لحماية الناس والمجتمع.

إن المؤسسة الرسمية وهي تعرف ذلك كله، تدرك جيدا أن الإبداع هو أحد أكثر الأسلحة مضاء، وأن المبدعين هم خير من يقوم بتكريس ثقافة ما وتعميمها، أو فضح ثقافة ما وتعريتها، وعليه فإن السياسات الثقافية الرسمية في الوطن العربي تتمحور عادة حيال المبدع في اتجاهات محددة نذكر منها الاستقطاب والتحييد والتهميش والإقصاء، حيث عانى الكثير من المبدعين العرب من هذه الأشكال كلها.

وربما لا نكون هنا في حاجة إلى التوسع في هذه الممارسات، لأن المثقف العربي يدركها جيدا، وقد خبر كثير من المثقفين العرب، والمبدعون بخاصة هذه الممارسات، ومنهم من تم إخضاعه ومنهم من امتلك المقدرة على الرفض وارتضى المجابهة، على الرغم مما تجره عليه من تبعات في حياته اليومية.

إن هذه الممارسات لا تدل إلا على خوف ورعب أزليين، قائمين على مسألتين: إدراك السلطة العميق لانعدام شرعية وجودها، وقدرة المثقفين والمبدعين على تحسس تلك اللا شرعية، وكشف جوهر السلطة وتعريته. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة