الفسيخ والأعياد.. تاريخ مصري موغل بالقدم   
الأحد 1434/6/24 هـ - الموافق 5/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:44 (مكة المكرمة)، 11:44 (غرينتش)
المصريون القدامى قدموا الأسماك المجففة كقرابين للآلهة (الأوروبية-أرشيف)

لاتزال الآثار الفرعونية تواصل البوح بالكثير من أسرار قدماء المصريين، وتفاصيل حياتهم التي تشتهر بالسحر والغموض، ويقول باحثون وأثريون إن للمصريين تاريخا طويلا مع أكل الأسماك المملحة المعروفة باسم "الفسيخ" كما عرفوا حب الزهور وقدسوها وأعطوا اهتماما كبيرا للاحتفال بقدوم فصل الربيع. 

وتقول الأثرية المصرية منى فتحي، وهي كبيرة المفتشين بمعابد الكرنك الفرعونية الشهيرة، إن "إسنا" التاريخية الواقعة جنوب محافظة الأقصر (721 كلم جنوب القاهرة ) كانت أول مدينة تعرف صناعة الفسيخ بالتاريخ، وذلك ضمن طقوس احتفالاتهم بعيد " الشمو" والمعروف اليوم باسم "شم النسيم" منذ عصور الفراعنة.

وكان المصريون القدماء يستخدمون سمك قشر البياض في إعداد الفسيخ، وتعد إسنا من المدن الشهيرة في صناعة وتقديم الأسماك المجففة كقرابين للآلهة داخل المعابد، حتى صار هذا السمك رمزا للمدينة في العصر البطلمي وصار اسمها "لاثيبولس" أي مدينة سمك قشر البياض.

أسماك وأعياد
وعرف المصريون القدماء -تواصل الباحثة منى- عدة أنواع من الأسماك التي رسموها على جدران مقابرهم مثل سمك البوري والشبوط والبلطي والبياض، كما عرفوا البطارخ منذ عصر الأهرام، وفي أحد الأعياد كان جميع أفراد الشعب يأكلون السمك المقلي أمام أبواب المنازل في وقت واحد.

وكانت مظاهر الاحتفالات بقدوم الربيع تقام دائما على ضفاف النيل ووسط الحدائق والساحات المفتوحة، وهو الأمر الشائع لدى جموع المصريين حتى اليوم، ويقول المدير العام لآثار الأقصر ومصر العليا د. منصور بريك إن الأقصر وغيرها من المدن القديمة عرفت الخروج الجماعي إلى الساحات الخضراء وشواطئ النيل قبل آلاف السنين، وإن احتفالات المصريين في هذه الأيام بشم النسيم لا تختلف كثيرا عن احتفالات أجدادهم الفراعنة.

وعرف أهل الأقصر بتقديس الزهور منذ آلاف السنين وكان لها مكانة كبيرة في نفوسهم ونفوس كل الفراعنة، إذ كانت زهرة "اللوتس" رمز البلاد كما كان يقدمها المحبوب لمحبوبته، وتزخر مقابر الأقصر الأثرية والفرعونية -وفق د. بريك- بالصور المرسومة على جدرانها لصاحب المقبرة وهو يشق طريقه في قارب وسط المياه المتلألئة بينما تمد ابنته يدها لتقطف زهرة لوتس.

الخروج الجماعي للساحات الخضراء كان قبل آلاف السنين بمصر (الجزيرة)

وكانت أعواد اللوتس تقدم ملفوفة حول باقات مشكلة من نبات البردي ونباتات أخرى، كما تشكل باقات الورود اليوم، كما ترى أعمدة المعابد الفرعونية مزخرفة في طراز "لوتسي" يحاكي باقات براعم الزهور. وصور المصريون أنفسهم على جدران مقابرهم ومعابدهم وهم يشمون الأزهار في خشوع يرجع بعضه إلى الفرحة ويوحي بسحر الزهور لديهم.

واحتوت السنة المصرية القديمة على العديد من الأعياد التي ارتبطت بالتقويم مثل رأس السنة وأعياد كل شهرين وبدايات الفصول، وكان من بينها - كما يقول الباحث المصري إميل  نظير- عيد "الشمو" أو"شم النسيم" كما كان عيد الإله "مين" إله الخصوبة في مصر القديمة من بين الأعياد التي احتفل بها قدماء المصريين في فصل الربيع، وكان تمثاله يقام غالبا وسط مربع من نبات الخس.

مأكولات 
وكان الربيع الذي يغير معالم ما بين الفصول عيدا عند المصري القديم لارتباطه بالشمس والنهر، ولذلك كان القدماء يتناولون فيه السمك والبصل والبيض. وصارت تلك المأكولات مظهرا ثابتا من مظاهر الاحتفالات بأعياد الربيع منذ نهايات العصر الفرعوني وبدايات العصر القبطي، وبات تناول تلك الأطعمة من العادات الباقية حتى اليوم.

وتشير الباحثة المصرية د. خديجة فيصل مهدي إلى أن قدماء المصريين اهتموا بالأعياد التي كانت مناسبة لديهم لإقامة أفراح عظيمة تغنى فيها أناشيد جماعية تنشدها السيدات النبيلات المشتركات في المواكب مع أصوات القيثارات والأغاني والأناشيد المصاحبة لحركات الرقص. 

وترتبط أعياد الفراعنة بالظواهر الفلكية وعلاقتها بالطبيعة ومظاهر الحياة، ولذلك احتفلوا بعيد الربيع  الذي حددوا ميعاده بالانقلاب الربيعي، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس في برج الحمل. 

وتشير د. خديجة إلى أن السنة المصرية القديمة احتوت على العديد من الأعياد التي ارتبطت بالتقويم مثل رأس السنة وأعياد كل شهرين وبدايات الفصول، وفي هذه الأعياد يحمل الكهنة تمثال معبودهم ويسيرون به في موكب مهيب يشارك فيه الجميع، ويؤدي فيه المهرجون والمغنون والراقصون فنونهم.

وكانت تقام في هذه الأعياد العروض المسرحية التي تصور أساطير معينة، وكان الأهالي وليس الكهنة، هم الذين يحتفلون بأعياد المعبودات الطيبة الصديقة والودودة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة