"الحديقة الخربة" أسى المكسيك ومأساة العراق   
الأحد 17/10/1436 هـ - الموافق 2/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 11:22 (مكة المكرمة)، 8:22 (غرينتش)

هيثم حسين-إدنبرة

يفتتح المكسيكي خورخي فولبي (1968) روايته "الحديقة الخرِبة" بقوله "أكره أن أكون إنسانياً". يصدم قارئه بتصريحه الاستهلالي، ويدفعه إلى البحث عن الأسباب التي جعلته يكره أن يكون إنسانيّاً. والكره في حالته ينجم عن أسى كبير يظهر أنه تعرض له، أو أذى أكبر طاله من بعض الذين يرفعون شعارات إنسانيّة في الوقت الذي ينسفون الإنسانية من جذورها بممارساتهم وجرائمهم. ثم ترى الراوي يشبه بلده بأنه عصابة من الضباع والأشباح، بكل فخامتها وتقديسها للنسيان. 

يمهّد فولبي لروايته (منشورات الجمل في بيروت بترجمة إسكندر حبش 2015) ببيتين شهيرين لمجنون ليلى "يقولون ليلى بالعراق مريضة/ فما لك لا تضنى وأنت صديق/ سقى الله مرضى بالعراق فإنني/ على كل مرضى بالعراق شفيق". ثم يجري تشابكاً بين قصة امرأة عراقية فقدت عائلتها أثناء الحرب، وقُتلت في بغداد خلال الغزو الأميركي، ورجل مكسيكي يعيش في المنفى.

قلب الألم
يقول الراوي إن كتابه يقع في قلب الألم، ألم الآخرين، وإن شخصية ليلى تحولت إلى استعارة لذاك الألم البعيد الذي لا يمكن القيام بأي شيء تجاهه، برغم رؤيته اليومية. ويسعى إلى إبراز أن لكل شخص ألمه الخاص.

فولبي الذي يعمل مديراً لـ"القناة 22" في مكسيكو، يتنقل بين شمس الشرق وصحراء العراق وظلال المكسيك وحقوله، يحاول تصور الفتاة الشابة ليلى التي كانت إحدى ضحايا الحرب في العراق. يتساءل إن كانت قد تعرضت لضربات الحراب. يتخيل ما جرى لها من دون أن يلوذ بالتحايل على الذات، لإدراكه أن الضغائن والأحقاد في الحروب تستخرج أسوأ ما في النفس الإنسانية، وتجعل الإنسان وحشاً ضارياً أشرس من الوحوش نفسها.

يربط الراوي بين حياته وماضيه ومصيره وحياة الفتاة العراقية ليلى وماضيها ومصيرها، ويصف حالتها وهي مثخنة بجراحها تائهة في الصحراء، تحيط بها الأشباح والضباع من كلّ صوب

"ماذا يعني ألم الآخرين؟". السؤال الذي يشكّل نقطة انطلاق للروائي في عمله، ويقوده إلى العراق ليصور واقعه المؤسف، والاقتتال الذي يسوده، ويصور حجم العنف الذي يتفاقم بين أرجائه، والدماء التي يدفعها كل يوم على مذبح التغيير والتحدي والمواجهة.

صور من العراق والمكسيك في مقابلة روائيّة، واقع أحدهما ينعكس في مرايا الآخر، لكل مكان مآسيه وآلامه، عنفه المستشري ودماؤه النازفة، قهره وأساه، وضحاياه وعشاقه. يشير إلى أن العراق يخرج من حرب إلى أخرى، وفي كل مرة تقع أعداد كبيرة من الضحايا، ويسود العنف لمدة طويلة، ولا يهدأ أهله بالهدوء والطمأنينة والسلام.

يتابع الراوي نشرات الأخبار، يكتشف فداحة الإجرام الحاصل بحق الشعوب، والأرقام المرعبة للقتلى والضحايا الأبرياء كل يوم، يذكر الأرقام ويتخيل أرواح أصحابها وحيواتهم ومشاريعهم لمستقبلهم.

ويلفت إلى أن الطرد من المكان هو المصير الذي يؤول إليه كل رافض للإجرام والوحشية. الطرد من الجنة المزعومة إلى صحراء القسوة والعنف، والحديقة التي يفترض بها أن تكون مهندَسة غنّاء، تغدو خرِبة بفعل التشويه الذي تتعرض له على أيدي مَن يعتبرون أنفسهم سادة المكان وقادته ومالكي زمام أمره ومستقبله.

يربط الروائي بين حياته وماضيه ومصيره وحياة الفتاة العراقية ليلى وماضيها ومصيرها، ويصف حالتها وهي مثخنة بجراحها تائهة في الصحراء، تحيط بها الأشباح والضباع من كل صوب، ثم يصف حالته حين ترك بلده لسنوات، ومضى يبحث عن ذاته في الغربة، لكنه يعود حين يجد أنه لا بد من العودة للمساهمة بدوره في البناء، من دون أن يفلح في مراده.

يرثي فولبي لحال العراق والمكسيك معاً، من خلال عقده المقارنة بين البلدين، والأوضاع المتدهورة فيهما، وكيف أن هناك عصابات تفتك بالبشر والمدن، وتجعل الكره شعارها اليومي كأنه وقودها ومحرّكها

يذكر أنه قرر الرحيل عن بلده بعد أن لفه القرف، وأمضى أكثر من 15 سنة منزوياً في دراسته. وبعد انهيار النظام المستبد طفت على السطح أوبئة اجتماعية لا تقل فتكاً بجسد المجتمع عن الاستبداد نفسه، وكانت ساعة الانتقام خطيرة ومدمرة. يشبّه ذلك باجتياح الشرق.

ليلى ابنة طبيب من الموصل، اقترنت بمهندس شاب وأنجبت منه طفلة، ثم أتت نيران الحرب وقضت على حياتها وأحلامها وأسرتها وشردتها. وهي ترمز إلى العراق نفسه، فضلاً عن أهله الذين وجدوا أنفسهم عرضة للإرهاب المتفشي المقنع بشعارات عديدة. وهناك "آنّا"، "نيكولا"، "فيكتور"، "خافييه"، "بابلو" وغيرهم من الشخصيات ترافق الراوي في تنقله المتخيَّل بين العراق والمكسيك. يعود إليها بين الفصل والآخر، يحكي عن مآسيها ويورد جوانب من المفارقات التي تحدث معها.

رثاء وطن
يرثي فولبي لحال العراق والمكسيك معاً، من خلال عقده المقارنة بين البلدين، والأوضاع المتدهورة فيهما، وكيف أن هناك عصابات تفتك بالبشر والمدن، وتجعل الكره شعارها اليومي كأنه وقودها ومحرّكها.

يخترع الروائي شخصية جنّيّ متخيّل يرافق ليلى في هذيانها في حالتها البائسة، يكون بدوره انعكاس المرارة والقسوة، وخدعة الذات لتناسي آلامها، واختلاق خيالات تعينها على عبور متاهة الحرب ومستنقع القتل والعنف، أو يكون "شبح الحرب" كما يصفه. وقد يكون في بعض استحضاراته جسراً بين الشرق والغرب، وكأن الكاتب يلفت إلى مفارقة تلاقي الإيمان بالأساطير والخرافات في ظل تصادم الحضارات.

يلفت الراوي إلى مأساة المرأة العراقية تحت الاحتلال، وكيف تم التعامل مع أهالي المعتقلين من قبل المارينز، وحالات الفقد الكثيرة التي وقعت جراء التفجيرات الانتحارية والقصف العشوائي

لا يخفي تأثره بمرويات تراثية عربية، وعراقية بشكل خاص، وقصص دينية، وحكايات "ألف ليلة وليلة"، ويؤكد أنه رجع إليها للتعرف إلى أجواء الشرق وعوالمه، ومزج بين واقعه وحكاياته ليخرج مشهدا صغيرا مما يدفع بعضا من أهل الشرق إلى الهاوية.

يظهر فولبي أن الطفل الذي مازالت عليه بطلته يرغب في أن يجد الأمان، بيد أنه لا مكان للالتجاء إليه. كثبان رمال، وأراض عارية. يناجيها قائلا: "هل تنادين النجدة، لكن من؟ الجثث؟ أم تستسلمين للغازي، لا أحد سواك وسوى الجني الذي يرافقك، تسيرين حافية القدمين يا ليلى فوق أنقاض وطنك، هل من شيء ما يجمعنا معاً؟ دربك في الليل".

يتماهى الراوي في تشرده وضياعه مع ليلى العراقية في مأساتها وبؤسها ومصيرها. يود لو كان بمقدوره إنقاذها، يؤلمه أنه لم يستطع ذلك، ولذلك تراه يكره أن يكون إنسانياً، لأنه لا يستطيع الوفاء بالتزامات الإنسان تجاه أخيه. يستعيد قصص القتل على الهوية. يلفت إلى مأساة المرأة العراقية تحت الاحتلال، وكيف تم التعامل مع أهالي المعتقلين من قبل المارينز، وحالات الفقد الكثيرة التي وقعت جراء التفجيرات الانتحارية والقصف العشوائي.

فنياً، يقسّم فولبي روايته إلى فصول قصيرة، يعتمد لغة شاعرية مكثفة فيها، يكتفي في بعض الفصول ببضع كلمات لا غير، كأنه يفسح المجال للقارئ كي يملأ الفراغ الذي يبقيه أمامه، أو ينفتح عليه، وكأنه يكتب يومياته بطريقة الخواطر، والمقاطع الشعرية، مستخدما طريقة تضمين الأخبار والحكايات والأحداث التاريخية، وموظّفاً إياها في سياق اشتغاله الشاعري. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة