التشكيلي محمد القاسمي أو الفن كحركة قصوى   
السبت 1435/2/12 هـ - الموافق 14/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 12:59 (مكة المكرمة)، 9:59 (غرينتش)
جانب من المعرض الاستعادي للتشكيلي المغربي الراحل محمد القاسمي (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط
 
يتذكر المشهد التشكيلي المغربي بصمة فنية متفردة طبعت تاريخه الحديث، من خلال معرض يحتضنه متحف البنك القومي المغربي (بنك المغرب) بالعاصمة الرباط، لأعمال الفنان الراحل محمد القاسمي، أحد التشكيليين الطليعيين في المغرب والعالم العربي.
 
"الفن كحركة قصوى" هو شعار المعرض الذي يتواصل إلى 30 مارس/آذار المقبل، مستعيدا مسارا متألقا لفنان ومثقف شكل حالة إبداعية متميزة في الحقل الإبداعي المغربي، ويفتقده التشكيل المغربي المعاصر بعد مرور عشر سنوات على وفاته، بالرغم من ضمور ثقافة الاعتراف لدى المؤسسات المعنية بالذاكرة الفنية للبلاد.
 
يوثق المعرض الذي يضم أبرز أعمال القاسمي التي أنجزها بين 1965 و 2003 سنة وفاته، للانعطافات التي وسمت المسار التشكيلي لمحمد القاسمي، الذي عرف بقلقه الإبداعي الفائر وسعيه اللجوج إلى القطيعة مع المتحقق، وتفاعله الواعي مع محيط اللوحة، بحيث لا يتصور التشكيل خارج نبض الزمن المحلي والعالمي. ومن هنا يأتي حضور القاسمي في النقاشات العمومية والفكرية الصعبة ونشاطه الشعري الذي يعد صدى للحركة واللون في لوحاته.
 
المعرض تضمن 55 لوحة من أعمال التشكيلي المغربي الراحل (الجزيرة)
مساءلة الحواس
55 لوحة تمثل مراحل أساسية من تطور أعمال الفنان الراحل، ابتداء من سنوات الستينات، حيث كان متأثرا باللون التمثيلي مرورا باللون التجريدي المغربي، وحتى نهاية السبعينات وصولا إلى اكتشاف مواضيع جديدة للوحة الفنية إلى حين وفاته.

يكتب الناقد الفني فريد الزاهي في تقديمه للمعرض "إن تشكيل القاسمي يسائل البصر، فهو يملك خاصية استجذابه ومناداته وأسر الانتباه والحواس، فاللوحة في امتلائها وارتجاجها تبدو وكأنها تستدعي الحواس بكاملها، ذلك أن همسات الفضاءات التشكيلية ونفسها وذاكرة الروائح التي تعج بها المواد، والرغبة في لمس سطحها، كلها عمليات ضرورية للانصياع لنداء المعاينة والاستكشاف الجمالي للوحة".

ويضيف الزاهي أن "صخب اللوحة وكرم انفتاحها يجعلانها تمارس التعبير بدون تمثيل أو تشخيص، وتمارس الدلالة من غير بلاغة بصرية لجوجة، وتؤسس المعنى من غير لجوء إلى الإفصاح".

من هنا، فإن اللوحة بهذا المعنى "مجال فسيح للترحال، يقوم فيها تجاور الأرض والقمر، والرمل والمحيط، بإرادة تركيب منظورنا للأشياء والعلامات، إنها تنتصب على صورة خلق العالم، انطلاقا من مساحة سوداء كالحة، أو زرقاء فيروزية أو بحرية، ذلك الأزرق الشمسي الذي يأسر البصر، وذلك الكلوح البحري الذي يغوص بنا إلى حيث لا معاد".

يكشف التجوال عبر أروقة المعرض نوعا من الانتقال الدرامي في الرؤية الإبداعية وفلسفة العملية التشكيلية برمتها لدى القاسمي، الذي خلص ذات لحظة إلى أن توخي الكمال والاتقان في رسم اللوحة هدف عبثي، فقد ورد على لسان الراحل الجملة التالية: "نظرت ذات يوم إلى عملي المنظم بدقة فشعرت بالغثيان. هل الأشياء مكتملة ومنمقة هكذا؟ هل سأواصل العمل على المكتمِل؟... ثم لطخت كل شيء".

عند هذه الوقفة الوجودية، تلاحظ الناقدة طوني مارايني أن "التوازنات في أعمال القاسمي بدأت تترنح، والخطوط تتشظى، والألوان الكثيفة تغزو المساحة شيئا فشيئا في شكل رقصة حركية ونفس صاخب".

الفرق بدا واضحا، بين الما قبل والما بعد، كما تقول الناقدة الفنية التي تتحدث عن "ارتجاف حركي كبير، كانت الإشارات والأشكال تصطدم بشلال من الألوان، رمادي أصفر وبني غامق وداكن يستقدم إبداعه من أعالي السماء إلى عذابات هذا العالم السفلي".

هذا المعرض التكريمي اعتراف ليس فقط بالقيمة الفنية الخالدة للتشكيلي المغربي الراحل، ولكن أيضا بوعيه الفكري الذي أطر مساره الفني، ساعيا إلى فتح الفن على أوجاع المجتمع

الإنصات للعالم
يقدم القاسمي شهادته على هذه الطفرة التشكيلية قائلا: "لقد انبثق الجسد من الرموز الكتابية... الجسد ذكاء مكلوم، كل جسد هو مركز العالم".

لقد أضحى اللانظام لاحقا على أعمال القاسمي بنية أخرى مختلفة وانفعالات مغايرة، "هنا ستمتلئ اللوحات بأجساد مختزلة في ملامح تعبيرية، وشخوص في الأغلب دون وجوه، في عري شبقي، لكن كما لو أنها في فرار وفي استنفار"، كما تقول مارايني.

تشكيل القاسمي كان شديد الإنصات للعالم وتقلباته ومنحى تطور الإنسانية، ولذلك يستطيع عاشق التشكيل أن يلحظ تلك الرجة التي هزت ريشة الراحل إثر حرب الخليج عام 1991.

يقول القاسمي بانكسار "لقد شعرت بالخيانة.. تحدثنا عن تقاطع الثقافات، والحوار بين الشمال والجنوب، وعن تآخي الشعوب..، لكن القوى العظمى كانت تتفاوض حول الأسلحة...، منذ ذلك الحين، أخذت حرية أكثر في عملي، وأنا أفكر بأننا على كل حال نوجد في لاعقلانية تامة .. ونعيش في عالم ظالم، وهذا أمر يؤسفني.

هذا المعرض التكريمي اعتراف ليس فقط بالقيمة الفنية الخالدة للتشكيلي المغربي الراحل، ولكن أيضا بوعيه الفكري الذي أطر مساره الفني، ساعيا إلى فتح الفن على أوجاع المجتمع، وإلى خلق حوار بين الفن والمجتمع، وبالتالي تعزيز وصوله إلى أشخاص لا يسمح لهم وضعهم الاجتماعي بالحصول على مدخل نحو الإنتاجات والخدمات الثقافية.

كان هذا -يقول المختص في تاريخ الفن إبراهيم العلوي- نابعا من قناعة راسخة لديه بأن "الفن بقيمه الجوهرية يساهم في التنمية الفردية والجماعية، ويحقق بالتالي نوعا من التماسك الاجتماعي".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة