"القرائية".. لتعويض دور الكتاتيب بمصر   
الاثنين 10/11/1436 هـ - الموافق 24/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)

الجزيرة نت-القاهرة

"حفظ الصبي القرآن ولم يتجاوز التاسعة"، هكذا أشار عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في روايته "الأيام" إلى أثر كُتَّاب القرية في حياته، كما تحدث عن تأثير الرجل القائم على تعليم الصغار في الكُتَّاب، وكانوا يدعونه "سيدنا"، هذا الرجل الذي كانت تصفه وزارة التربية والتعليم في مناهجها بأنه "كاشر الوجه، يجلس بجواره عصا غليظة، ينظر إليها الأولاد في رعب".

والكتاب هو المكان البسيط الذي كان الأطفال في القرى المصرية يذهبون إليه وهم دون السادسة، لتعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن، على يد "سيدهم"، الذي يحوطونه بالوقار.

وبمرور السنوات ومع تردي الأوضاع، غابت هذه الكتاتيب التي خرج منها علماء ومفكرون كبار غيابا شبه كامل، ولا سيما أن الالتحاق بالحضانات قبل دخول المدرسة بات إلزاميا. كما غاب شخص المعلم القديم، وحل محله شاب لا يستوي معه في العلم ولا في المكانة.

وأثر غياب هذه الكتاتيب على الأجيال الجديدة التي لم تتعرف إليه، فقد صرح وزير التعليم المصري محب الرافعي مؤخرا بأن الطلاب "ينهون المرحلة الابتدائية وهم لا يجيدون القراءة والكتابة"، لافتا إلى أن هناك 204 آلاف تلميذ بالابتدائي حصلوا على "صفر" في امتحان الإملاء للعام الدراسي الماضي، وهو ما دفع الوزارة إلى تبني مشروع "القرائية"، الذي يدرب معلمين على خطة علاجية للضعاف في القراءة والكتابة، وهو ما اعتبره البعض محاولة لإحياء فكرة الكتاتيب.

أحد الكتاتيب بقرية بني غني بصعيد مصر (الجزيرة)

وقال الخبير التربوي علي عبد الغفار إن الكُتَّاب "كان أكثر جدية في التعليم، ويتبع الطريقة الكلية في التعلم، التي تبدأ بقراءة من سور القرآن الكريم، ثم الانتقال إلى الحروف، وشيخ الكتاب لم يكن على وعي بالخلفية التربوية لطريقته في التعليم، إلا أن حرصه على إفادة أبناء وطنه كان يساعده كثيرا في تعليمهم، كما أن متعلمي الأمس كانوا أكثر إذعانا لمعلميهم من متعلمي اليوم".

من جهته يرى أحمد عبد الله رئيس قسم اللغة العربية بإحدى المدارس الخاصة أن الكتاب الذي كان يجتمع فيه الغني والفقير لتلقي العلم بأبسط الوسائل التعليمية، "يعبر عن فترة ظهر فيها تقدير مجتمعي للتعليم أكثر من الآن، حيث أصبحت النظرة للتعليم الآن ترتبط بسوق العمل وليس بالتعليم في حد ذاته".
 
ونبه إلى أن ارتباط العلم برجل الدين "كان سببا في احترام الكتاتيب، وهو ما لم يعد قائما، حيث أصبح رجل الدين إرهابيا لدى البعض"، وعزا هذ "إلى تناول الإعلام المصري السيئ لرجل الدين". كما نفى أن تكون هناك "مؤثرات سياسية أدت إلى انحسار ظاهرة الكتاتيب"، لكنه أكد أن "الحالة السياسية الراهنة التي ربطت الدين بالإرهاب تحول دون عودة ظاهرة الكتاتيب بقوة".

مدحت إبراهيم: الكتاب كان أفضل مكان لتقويم اللسان (الجزيرة)

أما معلمة اللغة العربية خديجة محمد فتقول إن الوقت في كتاب القرية "كان يسمح بالتقويم اليومي والأسبوعي، وهو ما لا يسمح به وقت الفترة الدراسية الآن"، وأضافت أن حلول الوزارة لتفادي مشكلات ضعف القراءة والكتابة "سطحية، حيث تصدر الوزارة للمعلمين خططا علاجية ولا تكترث باستراتيجيات تنفيذها".
 
وفي أحد الكتاتيب التي لا تزال قائمة قال القائم عليه مازن عبد المنعم إنه ورث المهنة عن أبيه رغم أنه لا يحفظ القرآن. لافتا إلى "قلة إقبال المتعلمين على الكتاب مقارنة بأوقات مضت".

وقد جعل هذا مدحت إبراهيم -مدرس بالمرحلة الثانوية- يقول إن الكتاب "كان أفضل مكان لتقويم اللسان في زماننا. لكن وجوده بنفس الآلية القديمة غير مقنع للأجيال الحالية، فالتطور التقني جعل الطفل يمتلك الكثير من الأدوات والأجهزة التعليمية، ومن ثم تقتضي العودة للكتاتيب توفير هذه التقنيات".

فيما أكدت عزة محمود مديرة إحدى دور الحضانة أنها ترغب في أن تكون حضانتها على غرار كتاب القرية، وكذلك كثير من أولياء الأمور، لكن الحالة السياسية تجعلني أخشى التمادي في هذا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة