بشرى .. قصة فتاة تحت التعذيب   
الأربعاء 1433/1/26 هـ - الموافق 21/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 11:18 (مكة المكرمة)، 8:18 (غرينتش)

الأسيرة بشرى الطويل تعانق والدتها بعد الإفراج عنها (الجزيرة نت)

ميرفت صادق-رام الله

عاشت الأسيرة الفلسطينية المحررة بشرى الطويل ومعها خمس أسيرات أخريات ذكريات لا تنسى، قبيل الإفراج عنهن الأحد ضمن الدفعة الثانية من صفقة التبادل بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وكما قالت "لم أنم منذ أيام، وكان ذهني معلقا بلحظة الإفراج ولقاء أبي وأمي فقط". 

وكانت بشرى التي اعتقلت في يوليو/تموز الماضي ولم تتجاوز السابعة عشرة بعد وقد أنهت مدرستها للتو، قد أبلغت الخميس الماضي بالإفراج عنها ضمن الدفعة الثانية لصفقة التبادل، وهي الوحيدة من الأسرى المقربين لحركة حماس في هذه الدفعة، حيث أفرج عن 550 أسيرا غالبيتهم من حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح).

تحت التحقيق
وقضت بشرى التي اعتقلت في السابع من يوليو/تموز الماضي، 18 يوما في التحقيق المستمر ليلا ونهارا، وعدة أيام في العزل الانفرادي مع سجينات إسرائيليات.

وتروي بشرى تجربتها على مسمع من والدتها التي جلست قربها وكانت هي الأخرى قد اعتقلت العام الماضي لعدة شهور، وقالت الأم "تبدو الابنة التي لم تغادر كتب المدرسة غرفتها بعد وكأنها كبرت كثيرا خلال الأشهر الستة التي قضتها في الاعتقال".

وتحكي بشرى تجربة أيام التحقيق الأولى الأقسى، وتذكر كيف اقتيدت من قبل جنود الاحتلال مقيدة ليلا من منزلها في مدينة البيرة إلى مركز تحقيق المسكوبية في القدس، ومنها إلى مركز تحقيق سجن عسقلان جنوبا.

وفي سجن عسقلان عاشت بشرى -كما تقول- أياما وليالي بلا نوم ولا راحة وفي شبْح متواصل حيث يتم تقييد يديها وقدميها إلى الخلف على كرسي لمدة تزيد عن عشر ساعات أحيانا، مع صراخ متواصل من المحققين الذين كانوا يكررون: "أنتِ طفلة ولا تدعي عمرك يمضي في السجون"!.

وتضيف بشرى "كانوا يطلبون مني الاعتراف بتهم لم يحددوها بداية، وعندما كنت أكرر بأن لا شيء لدي لأعترف به راحوا يهددوني باستمرار التحقيق معي تحت الشبح والتعذيب لـ180 يوما".

وبعد ذلك -تواصل الفتاة الفلسطينية- صاروا يكررون أمامي أنني خطرة على أمن إسرائيل، وأنني مجرد مخرّبة، وأنهم سيعتقلون أبي وأمي ويلقونهما في الزنازين كي يجبروني على الاعتراف بذلك.

وقالت بشرى إنها عانت من تشنجات وآلام شديدة في الظهر والأطراف بسبب طيلة فترة الشبح على الكرسي ولم يقدموا لها سوى المسكن المتعارف عليه، الذي كانت ترفض تناوله، فيرد المحقق على ذلك بالقول: أنتِ في سجن إسرائيلي ولستِ في فندق خمس نجوم.

وعندما قرر المحققون عرضها على جهاز كشف الكذب، تقول بشرى بطفولة بالغة "دعوت طيلة الليل أن أجتاز هذا الامتحان بنجاح كي أتخلص من عذاب التحقيق"، وبعد الكشف أبلغت أنها كانت خائفة ولم تكن إجاباتها واضحة، أو أن الجهاز يعاني من خلل ما!

 بشرى الطويل قضت 18 يوما في التحقيق مقيدة اليدين والقدمين إلى كرسي (الجزيرة نت)
العزل
وبعد 18 يوما في التحقيق، نقلت بشرى إلى قسم العزل في سجن الرملة، لكنها فوجئت بأن القسم مخصص للسجينات الإسرائيليات من الجنائيات المتهمات بقضايا جرائم وبعضهن يعانين من الإدمان.

وقالت "كنت أسمع الشتم والصراخ طيلة اليوم، وقد وضعت في زنزانة ضيقة جدا حيث أنام وأصحو على بلاط الأرض البارد"، إلى أن نقلت بعد أيام إلى قسم الأسيرات الفلسطينيات في سجن هشارون. 

وتذكر بشرى أن ما مر عليها لم يكن شيئا بالمقارنة مع خاضته الأسيرات تحت عذاب التحقيق لأشهر طويلة، لكنها عاشت أيضا تجارب اقتحام غرف الأسيرات ليلا وضربهن وإجبارهن على خلع ملابسهن بالكامل للتفتيش كعقاب جماعي، وخاصة فترة إضراب الأسرى الفلسطينيين بداية شهر أكثوبر/تشرين الأول الماضي.

لكن بالنسبة للفتاة بشرى، فإن تجربة الإفراج عن 27 أسيرة ضمن الدفعة الأولى من صفقة التبادل يوم 18 أكثوبر/تشرين الأول الماضي، وبقاءها مع عشر أسيرات أخريات هناك كانت الأصعب.

وقالت إنه رغم فرح الأسيرات وخاصة من المحكومات بالمؤبد بالإفراج عنهن فإن الفرح انقلب إلى نحيب وقت إخراجهن من الزنازين، ورحن يتعلقن بحديد الأبواب ويرفضن الخروج بدوننا.

وتضيف الأسيرة المحررة أن عددا من الأسيرات فقدن وعيهن من بينهن قاهرة السعدي التي كانت في حالة إعياء شديد، لكنهم قاموا بسحبهن بوحشية وضربهن والتهديد بعدم الإفراج عنهن جميعا وبتعطيل صفقة التبادل كاملة.

وتقول إنه عند مغادرتها مع خمس أسيرات السجن الأحد الماضي، تركن هناك خمس أسيرات بينهن لينا الجربوني التي تبقى لها سبع سنوات في الأسر وتعاني من متاعب صحية، مشيرة إلى أنهن يشعرن بالخذلان لاستثنائهن من صفقة التبادل بعدما كان أملهن معلقا بها.

وتذكر بشرى أن السجانين كانوا يهددون الأسيرات الخمس المتبقيات بالاستفراد بهن ونقلهن جميعا إلى العزل الانفرادي مع السجينات الجنائيات.

لكن بشرى، وبعد الإفراج عنها، لا ترى في تجربة اعتقالها الجانب المظلم فقط، إذ تذكر كيف تعهدت لنفسها منذ بداية اعتقالها أن يكون السجن نقطة تحول في حياتها، وانكبت على قراءة كل ما وجدته من كتب في الزنزانة التي احتجزت بها لستة شهور.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة