الكاتب الجزائري صنصال في إسرائيل   
الجمعة 27/6/1433 هـ - الموافق 18/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:26 (مكة المكرمة)، 10:26 (غرينتش)
بوعلام صنصال سبق أن شارك بمعرض باريس للكتاب الذي احتفى بإسرائيل ضيف شرف (الأوروبية-أرشيف)
فاتنة الغرة
 
مضى الكاتب الجزائري المقيم في فرنسا بوعلام صنصال قدما في زيارته لإسرائيل، وشارك في "مهرجان الأدباء العالمي" الذي تنظمه مؤسسة "مشكانوت شأنانيم" في القدس، وهي زيارة أثارت جدلا واسعا وندد بها أغلب المثقفين العرب، ودعت "حملة مقاطعة إسرائيل" الكاتب إلى الانسحاب من المشاركة، في حين احتفت إسرائيل بالزيارة بوصفها تفتح ثغرة في جدار التطبيع الثقافي. 
 
وظهر صنصال مع الكاتب الإسرائيلي أ.ب. يهوشواع، وناقش معه حوار الثقافات ضمن لقاء مفتوح مع جمهور إسرائيلي جرى في المعهد الفرنسي في تل أبيب، واحتفى الإعلام الإسرائيلي بحضور الكاتب الجزائري من خلال مدير المؤسسة التي نظمت المهرجان أوري درومي، الذي أعرب عن سروره لحضور صنصال رغم الضغوط التي تعرض لها من قبل أطراف عديدة لثنيه عن ذلك.
 
وعلى الرغم من مشاركته سابقا في "معرض باريس الدولي للكتاب" (2008)، الذي شاركت فيه إسرائيل ضيف شرف مبررا ذلك بقوله إنه يمارس الأدب لا الحرب وإن "الأدباء ليسوا سياسيين، ولا أرى سببا لمقاطعتهم"، فإن زيارة صنصال لإسرائيل -التي بررها أيضا بقوله "كيف نقاطع دولة لها علم؟"- كان لها وقع مختلف.
 
عبد السلام العطاري: كان الأجدر بصنصال أن يخط ما يفضح الجرائم الإسرائيلية (الجزيرة)
زيارة مستفزة
فهي تتزامن مع إحياء الفلسطينيين الذكرى الرابعة والستين للنكبة، واحتفالات إسرائيل بذكرى قيامها، وفي وقت يخوض فيه الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية إضرابا متواصلا عن الطعام ضد سياسة الاحتلال الهمجية، وتزامنا أيضا مع ما تتعرض له القدس من محاولات تهويدها المستمرة.
 
وفي إطار الردود، يؤكد الشاعر والكاتب الفلسطيني عبد السلام العطاري أن صنصال يبحث عن توهج لاسمه ليرفع حرفه الخافت، وأنه "كان الأجدر بصنصال أن يخط ما يفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق شعبنا الفلسطيني"، وطالب "فلسطين وأحرار العالم والجزائر تحديدا بلفظ ورفض مثل هؤلاء الذين أصبحوا بفعلتهم ذاكرة للسوء وليس للمجد".
 
ومن جانبها تؤكد الشاعرة والصحفية الجزائرية نوارة لحرش أن صنصال لا يمثل إلا نفسه، وهو حر في اختياراته وقناعاته وزيارته، فهذا موقفه وحده رغم أنه مؤسف ومخجل، وترى أن "هذه كبوة لصنصال في نظر المنتقدين لزيارته الخطيرة والمستفزة والحاملة لفكر التطبيع غير المبرر والمرفوض ما دام هذا الكيان يقتات على الدم الفلسطيني".
 
ورغم الجدل الذي أحاط بالزيارة، فإنها لم تفاجأ الكثير من المتابعين، فالروائي الفرنكفوني الحائز على أرفع جائزة أدبية ألمانية دأب كما يرى كثيرون على اتخاذ مواقف نقدية مثيرة للجدل من التراث يراها الكثير من النقاد موغلة في التطرف منذ روايته الأولى "قسم البابرة" مرورا برواية "حرافة" و"قرية ألمانية" و"شارع داروين".
 
ويؤكد الشاعر الفلسطيني عصام السعدي أن "الأسف لا يكفي للتعبير عن موقف بوعلام صنصال المنفصل عن الوعي الجمعي العربي والجزائري خصوصا تجاه قضية فلسطين ودولة الكيان الصهيوني".
 
وتساءل عن سبب حرص "إسرائيل على دعوة أمثال صنصال، وهي التي اغتالت غسان كنفاني وكمال ناصر وعشرات المثقفين الفلسطينيين، وما زالت تضطهد كل صاحب قلم أو رأي في فلسطين المحتلة"، مؤكدا أن صنصال لن يكسب من هذا سوى وصمة العار التي ستلاحقه منذ الآن أينما ذهب.
 
ربعي المدهون: زيارة صنصال كانت ستفهم لو جاءت لمساندة أهل البلاد الشرعيين (الجزيرة)
فعل معزول
ويصور الشاعر الجزائري عبد الله الهامل زيارة بوعلام لإسرائيل بأنها "فعل معزول خاصة وأنه يأتي من كاتب لا يكتب بالعربية فهو فرنسي أكثر منه جزائري"، ويرى أن هذا يأتي في سياق ما أسماه الانبطاح العربي.

ويوضح الهامل أن "صنصال ليس كاتبا كبيرا وليس مهما، فهو منخرط في المؤسسة الثقافية الغربية والفرنسية بالخصوص لأسباب تاريخية ليست خافية على أحد"، لذا يرى أن مشاركته في معرض الكتاب بإسرائيل ليست حدثا مهما، وهو يعبر عن رأيه وقناعاته وبالتالي فيجب وضع القضية في إطارها.

أما صاحب رواية "السيدة من تل أبيب" الروائي الفلسطيني ربعي المدهون فيرى أن زيارة صنصال لإسرائيل ستُطوى مع الكتب التي يتم جمعها في نهاية المعرض الإسرائيلي، معقبا بأن الأمر سيبدو مفهوما لو أنه جاء البلاد للقاء أهلها وأصحابها الشرعيين، يشاركهم أنشطتهم الثقافية، ويفضح الاحتلال وسياسات التمييز العنصري التي يتعرضون لها منذ 64 عاما.

وصدرت لصنصال العام الماضي ترجمة عبرية لروايته الخامسة "قرية الألماني أو مذكرات الأخوين شيلر" الصادرة بالفرنسية عام 2008. وتتناول الرواية علاقة ضابط سابق في الجيش النازي بقادة جبهة التحرير الوطني في الجزائر، وأشادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية بالرواية، موضحة أن "أهمية الرواية الكبرى تعود إلى ما تقدم من نقد صارم يوجهه المؤلف إلى الحركات الإسلامية المتطرفة، والمقارنة الواضحة بين ممارساتها وبين الجرائم التي ارتكبتها النازية".

من جهتها تعتقد الشاعرة والإعلامية الفلسطينية أسماء عزايزة أن جزءًا من النقاش الدائر حول قضية التطبيع الثقافي مع إسرائيل يجب أن يُحسم الآن، على أثر الحمى التي بدأت تنتشر عند عدد لا بأس به من مثقفين وفنانين عرب وفلسطينيين، بتكرار حالات يكون فيها المتعاون (المطبّع الفلسطيني والعربي) مع إسرائيل له تاريخ واضح ومعروف، لا يجعل منه بطلا قوميا أو وطنيا حتى يُحاسب على مثل هذه الأخطاء.

بشير مفتي: صنصال قام بموقف هو المسؤول عنه (الجزيرة)

موقف شخصي
وفي سياق احترام الحريات، يقول الروائي الجزائري بشير مفتي "إذا كنت أنا بشير مفتي الروائي والصحفي ضد زيارة إسرائيل والتطبيع معها، فأعتبر هذا موقفا شخصيا وقناعة تلزمني وحدي"، ويؤكد أنه ليس وصيا على قناعات كتّاب آخرين ينظرون للمسألة من زاوية مختلفة عنه، "فهم أحرار أختلف معهم لا غير، لكن ليس لي الحق بأن أكون وصيا على موقفهم ذاك".

وأشار إلى أن "الكاتب بالنسبة له ليس وزير خارجية بلده يقر بكل ما تقره سياستها الخارجية الظاهرة، وهذا ما نراه في كل دول العالم حين تتعارض مواقف الكتاب مع سياسات دولهم، ولولا هذا لكان كل الكتاب الأوروبيين مع دولة إسرائيل العنصرية لأن سياستهم تدعم الكيان الصهيوني".

ويرى مفتي أن "صنصال قام بموقف هو مسؤول عنه، وهو حر في ذلك ولست أنا من سيعاقبه أو يتهمه لأني لا أريد أن أستعمل حجج اللوبي الصهيوني في الغرب، الذي يتهم كل كاتب ينتقد إسرائيل بأنه معاد للسامية، وهذا ما يفعله بعض المثقفين العرب الذين يصرخون ويهولون بسرعة دون أن يعرفوا حتى ماذا سيقول هذا الكاتب هناك وهل له رأي آخر في المسألة".

ويعتبر ربعي المدهون أن صنصال حدد خياره في سياق خطاب يؤطر قناعات آمن بها، و"ليس لي أن أحاكم الأمر في غير هذا السياق"، ويصفها بأنها "حالة فردية استبعد منها الجزائر والجزائريين ثقافة ومثقفين، ممن يشاركهم صنصال أصله"، لكنه لا يتفق مع "خطابات التخوين التي كثيرا ما تستدعي على عجل ملفات التطبيع والتباساتها العديدة، التي ستظل تفرز مواقف وآراء لا تنتهي إلا بزوال مسبباتها"، مختتما حديثه بأن صنصال ليس الأول ولن يكون الأخير، وبما أن الكتابة موقف فقد اختار صنصال موقفه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة