مأساة أشقاء على جبهتي الصراع بسوريا   
الجمعة 1433/10/21 هـ - الموافق 7/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 23:06 (مكة المكرمة)، 20:06 (غرينتش)
مقاتلو الجيش السوري الحر لديهم اقتناع بأنهم يدافعون عن وطنهم (رويترز)
ترفع أم ياسر منديلها الوردي لتمسح دموعا تنهمر بلا انقطاع، مستعيدة صور أولادها الثلاثة الذين يقاتل اثنان منهم إلى جانب الجيش النظامي وآخر في الجيش السوري الحر.

ولم ير زوجها تيسير ابنه الثالث محمد (26 سنة)، الطالب الذي كان يدرس الأدب العربي قبل أن يلتحق بالخدمة العسكرية في درعا ثم في محافظة دير الزور، منذ احتدام الحركة الاحتجاجية ضد النظام السوري في مارس/ آذار 2011.

وأتم تيسير وجميع رجال هذه الأسرة واجبهم الوطني، إلا أنه منذ أن بدأ النزاع المسلح، وجد الكثير من المجندين أنفسهم محاصرين خاصة أن مدة هذه الخدمة التي تمتد عادة 18 شهرا يمكن أن تطول إلى أجل غير مسمى.

وأوضح تيسير أن ابنه محمدا، الذي سحبت منه السلطات هويته الشخصية، اضطر إلى البقاء في الجيش لأنه "لو انشق فسيموت" مشيرا إلى وجود "مئات الحواجز على الطريق".

وحيال هذا الوضع، رحلت زوجة محمد بعد أن انتابها اليأس إثر إجهاضها الناجم عن التوتر، وعادت إلى أسرتها. ونادرا ما تتلقى هذه العائلة أنباء عن ولديها لصعوبة الاتصالات الهاتفية في قريتهم الواقعة شمال حلب.

مقاتلان من الجيش الحر في إدلب  (الفرنسية)

مخاوف
وتعود آخر مكالمة إلى شهر ونصف وقد أجبر الخوف من التنصت محمد تيسير على الكلام مع والده حول الأمطار والطقس فحسب، وانهار باكيا عندما تكلم مع والدته التي تأثرت أيضا بمحادثته.

وتخشى أم ياسر الأخبار السيئة، وتتخيل مقتل ابنها في كمين نصبه المقاتلون المناهضون للنظام، أو تعذيبه حتى الموت على أيدي الموالين للنظام لو حاول الانشقاق.

كما يخنقها القلق كذلك عندما تفكر في ابنها الآخر أنيس (23 عاما) وهو طالب انضم إلى الجيش الحر قبل ثلاثة أشهر، وتقول "أخشى أن يقتلا، فكلاهما على الخط الأمامي". وتطلق أم ياسر تنهيدة عميقة قائلة "إنه أمر صعب".

ويرى تيسير أن قرار ولده أنيس هو النتيجة المنطقية "للمجازر التي ترتكب بحق الشعب السوري" ويضيف أن أنيس قرر "الدفاع عن أرضنا وشرفنا قبل أن يأتوا لقتلنا". 

مأساة كثيرين
ولا يعاني تيسير وأم ياسر -اللذان رفضا إعطاء اسميهما الحقيقيين لدواع أمنية- وحدهما من القلق في قريتهما التي يقطنها عدة آلاف بل يشتركان في مصيبتهما مع ما لا يقل عن 12 عائلة أخرى لديها أبناء يقاتلون على طرفي جبهة الصراع.

يبذل العديد من المقاتلين المعارضين للنظام قصارى جهدهم لمساعدة أقربائهم على الهروب من الجيش النظامي

ويقول أحد كبار السن وقد كنّى نفسه بأبي محمود "إنها مأساة رهيبة يعيشها عدد كبير من أهل القرية".

ويبذل العديد من المقاتلين المعارضين للنظام قصارى جهدهم لمساعدة أقربائهم على الهروب من الجيش. ويبحث يحيى (19 عاما) منذ أشهر عن مخرج ينجد به أحد إخوته ويقول "هذا صعب، فالضباط يتابعونه" مشيرا إلى أنه "في الطرف الآخر من البلاد".

وتكابد أم ياسر وتيسير للحفاظ على أمل، في وقت تتلف فيه حقولهما من الباذنجان والطماطم بسبب عدم وجود المال اللازم لدفع ثمن وقود مضخات الري، في حين يجد أبناؤهما العاملون في حلب أنفسهم بلا مورد.

ويستضيف الزوجان ست عائلات في مبنى من الإسمنت لم يكتمل بناؤه على مقربة من منزلهما حيث قاما بتهيئة كوخين لاستقبال الأصدقاء وأفراد من العائلة فروا من ديارهم بسبب العنف.

ولا يجرؤ تيسير على السفر إلى حلب خوفا من تعرضه للقتل عند نقطة تفتيش تابعة للجيش بسبب علاقاته مع الجيش الحر، لكنه يظهر حكمته قائلا "جميعنا، أيا كان معسكرنا، ندافع عن وطننا". وبجانبه، تنتظر أم ياسر عودة أبنائها راجية من الله أن يحميهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة