أيام في بلاد ماركيز   
السبت 1432/4/29 هـ - الموافق 2/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 6:40 (مكة المكرمة)، 3:40 (غرينتش)

 

أمجد ناصر

لواحدٍ مثلي عاش طوراً من الحروب في لبنان وصولاً الى الذروة: الحصار الإسرائيلي لبيروت الغربية، فإن كولومبيا ليست مكاناً خطراً على نحو استثنائي.. أعرف من خلال التجربة أن صورة الخارج تختلف عن صورة الداخل.

كان الإسرائيليون يقصفون بيروت الغربية أثناء حصار صيف عام 1982 بالمتر المربع، بينما "عم عمر" يطبخ لنا في بيت هند جوهرية -الذي اتخذته الإذاعة الفلسطينية (التي عملتُ فيها أثناء الحصار) مقراً لغرفة التحرير- "الملوخية" حيناً و"المقلوبة" حيناً آخر، بل تمكنّا بسبب حماسة حسن عصفور إلى "الفوتبول" من مشاهدة بعض مباريات كأس العالم!

قلت لمن نهاني عن الذهاب إلى بلد تدور فيها حرب ضروس بين القوات الحكومية والمليشيات اليمينية من جهة وقوى اليسار المسلح من جهة أخرى، إن كولومبيا ليست أشد خطراً من بيروت أيام الحصار الإسرائيلي، فقال لي صائباً: إنك أيضاً لم تعد ذلك الشاب العشريني الذي لا تفرق خطاه المجنحة بين مصائد الموت وصبوات الحياة في شوارع بيروت.

الصورة الأسوأ عن كولومبيا في الخارج ليست الحرب، بل الخطف، حتى إن ماركيز الذي لم تدر -حسب علمي- أيّ من رواياته الشهيرة عن كولومبيا وصراعاتها الراهنة، وضع تقريرا طويلاً في قالب روائي عن هذا الموضوع بالذات.

ليس الاختطاف مقصوراً على اليسار المسلح وحده، بل تمارسه كذلك المليشيات اليمينية المساندة للنظام. وقد فهمت من بعض الكولومبيين الذين التقيتهم سواء في بوغوتا أم في مديين، أن الأمر لا يتعلق بطلب فدية مالية ولكن بمبادلة مخطوفين لهذه الجهة عند تلك.

مساعدات أميركية
نعرف أن إسرائيل ومصر هما الدولتان اللتان تتلقيان -على التوالي- أكبر قسط من المساعدات الأميركية الخارجية، ولكننا نادراً ما تساءلنا (أو اهتممنا) عمن تليهما على هذا الصعيد: إنها كولومبيا التي تتلقى نحو 1.3 مليار دولار سنوياً.

فهذه دولة مركزية في أميركا اللاتينية كانت تسمى ذات يوم -بهمة القائد الشهير لحركة التحرير في القارة اللاتينية سيمون بولفار- "كولومبيا الكبرى"، وتضم إليها فنزويلا والإكوادور وبنما. لكن التدخلات الاستعمارية -الأميركية الشمالية خصوصاً- والحروب الأهلية، أدت إلى تفتت هذا الكيان العملاق إلى ثلاث بلدان هي: كولومبيا وفنزويلا والإكوادور، أما بنما فقد دفعت الولايات المتحدة للحكومة الكولومبية 25 مليون دولار تعويضاً عن خسارتها لها.

لا يقتصر اهتمام واشنطن تاريخيًا بكولومبيا في كون الأخيرة تتمتع بموقع مركزي في القارة اللاتينية، ولكن أيضا لأنها لا تبعد عن ميامي سوى نحو ثلاث ساعات بالطائرة.. إنها -بمعنى من المعاني- ساحة خلفية لها.

هناك موضوعان أساسيان يشغلان بال واشنطن حيال كولومبيا: النفوذ القوي لفصائل اليسار الماركسي المسلح في البلاد، والمخدرات، لكن بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط "المعسكر الاشتراكي" تغيرت أولويات الولايات المتحدة، فلم يعد اليسار الماركسي يقلقها كثيراً، فتصدرت المخدرات واجهة الاهتمام الأميركي.

لكن من الصعب -على ما يبدو- الفصل اليوم بين فصائل اليسار المسلح وتجارة المخدرات، خصوصاً أن واشنطن وبوغوتا تجدان صلة قوية بين الأمرين.

لم يكن هذا رأي "خوان" الشاب الكولومبي الهندي الملامح الذي رافقني في رحلة إلى مدينة "سانتافي" وأقام نحو سبع سنين في الولايات المتحدة، حيث قال إن حكومتي بوغوتا وواشنطن تحاولان ربط النشاط العسكري اليساري في كولومبيا بتجارة المخدرات.

فقلت له: ولكن لا دخان بدون نار، فأجاب: كل ما في الأمر أن هذه القوى "تجبي" ضريبة على الكوكايين الذي يزرع ويصنَّع في الأراضي الخاضعة لها، وهذا أحد مصادر تمويلها.. ثم أضاف: ولكن هذا لم يحصل إلا في السنين العشر الأخيرة عندما أخذت الحكومة -بمساعدة عسكرية مباشرة من أميركا- في تضييق الخناق على الحركات اليسارية وتجفيف منابع تمويلها.

انتماء خطير
الطريف في الأمر حسب خوان، أن هذه الحركات تمنع تعاطي المخدرات في الأماكن التي تخضع لها رغم فرضها ضريبة على تجارتها! جعلني دفاع "خوان" عن قوى اليسار المسلح أميل إلى كونه متعاطفا معها إن لم يكن منتمياً إليها. لكنَّ مثل هذا الانتماء خطير، قلما يجاهر به المدنيون الذين يعملون في مؤسسات حكومية أو حتى غير حكومية. قوى اليسار المسلح خط أحمر في نظر المؤسسة الرسمية وشرائح لا بأس بها من المجتمع المدني الكولومبي.. يمكنك أن تكون يسارياً في كولومبيا ولكن ليس من جماعة "الفارك".

قلت لخوان: ولكن أليس الاتجار بالمخدرات، أو حتى فرض ضريبة عليها، عملاً يتنافى مع أساس الفكرة اليسارية وأخلاقيات النضال؟ أجاب "نعم". لم أكن أتوقع -طبعاً- إجابة أخرى. فمن الصعب تبرير هذا الموقف الذي يبدو غير أخلاقي لقوى تناضل ضد الإمبريالة وتطالب بالعدالة الاجتماعية. كان في لبنان (وأفغانستان أيضاً) من يرى في زراعة الحشيش أو الأفيون وتصديرهما إلى الغرب نوعاً من النضال ضد الإمبريالية.. أو تقويضها من الداخل!

رأيت "الماريوانا" تلفُّ علناً من قبل المثقفين الكولومبيين حتى في الفندق الذي كنا ننزل فيه، ولما أبديت استغرابي لصديقي الشاعر رافائيل باتينو الذي التقيته في كندا قبل بضع سنين، قال إن استخدام الأعشاب المخدرة (وليس الكوكايين المصنع من شجرة الكوكا) جزء من التقاليد الثقافية للسكان الأصليين.. إنه نوع من فلكلور.. استمرار لطقس اجتماعي وربما ديني قديم.

* * *

نتذكر أن العقيد أورليانو بوينديا في رواية ماركيز "مئة عام من العزلة"، كان من تيار الأحرار المشبع بالروح الغاريبالدية الذي قاتل في واحدة من الحروب الأهلية التي اجتاحت كولومبيا، لعلها تكون "حرب الألف يوم" (1899- 1902).

نتذكر أن جد ماركيز كان عقيداً في تلك الحرب التي خلفت وراءها نحو 100 ألف قتيل، ولكنه على الأغلب ليس أساس شخصية "أورليانو بوينديا"، بل لعل أصل هذه الشخصية الروائية -على ما يقول صديق ماركيز ورفيق خطواته الأولى الكاتب بيلينو منذوزا- هو الجنرال رافائيل ألبرتي القائد الأسطوري لتلك الحرب.

الصراع بين اليمين واليسار، أو المحافظين والأحرار، له جذور تاريخية في كولومبيا. لكن التطور الأبرز في تحول هذا الصراع إلى حرب أهلية مسلحة، حصل في الأربعينيات من القرن الماضي في ظل نظام دكتاتوري عسكري.

ويبدو أن أطرافا راديكالية من حزب الأحرار والحزب الشيوعي غادرت اللعبة السياسية الحزبية في كولومبيا لتأسيس تنظيم يدعى "فارك" يسيطر اليوم على مناطق واسعة من الريف الكولومبي ويبلغ عديده نحو 17500 مسلح، تشكل فيه النساء نسبة 30%.

في مقابل هذا التنظيم الأكبر في قوى اليسار المسلح (هناك تنظيم آخر أقل حجماً وأهمية منه يدعى "إي.أل.أن" متأثر بالتجربة الكوبية، أكثر أيدولوجية من الأول) فإن قوى اليمين المتطرف -مدعومة من النظام- تمتلك مليشيات عسكرية وتخوض حرباً هي أيضاً، ولكن.. ضد اليسار. هذا ما يقوله خوان الذي يلم -على ما يبدو- بتاريخ اليسار الكولومبي ونزاعاته وانشقاقاته. واضح أن الطرفين يمارسان الاغتيال حيال رموزهما أو المتعاطفين معهما في معظم أنحاء كولومبيا.

قوة فارك
أفهم من خوان أن الأرياف كانت تمثل نحو ثلاثة أرباع كولومبيا، لكن ليس الآن. هناك تغير في النسيج الاجتماعي للبلد بعد توسع المدن واطراد هجرة الريفيين إليها وتمدينهم، ولو على نحو بائس فيها، الأمر الذي يهدد ربما بتقلص قوة هذا التنظيم الذي تحاربه كل من الحكومة الكولومبية بقيادة الرئيس ألفارو أوريبي والولايات المتحدة. "أوريبي" يميني صارم، لا يميل إلى الحوار مع الجماعات المسلحة كما فعل سلفه. كان هناك حوار لإحلال السلام في البلاد بين الحكومة والجماعات المسلحة انتهى إلى الفشل بعد ثلاث سنين من بدئه. الغريب في أمر هذه البلاد هو التناقض العجيب بين التقاليد الليبرالية التي لها شرائحها وأناسها، وبين الراديكالية والميل إلى الثورة: واحدة تعرفها المدن القليلة التي نشأت في كولومبيا على مدار استقلالها عن إسبانيا، والأخرى تتمركز في الأرياف.

لم يكن صعباً أن تتحول الليبرالية عندما شعرت بتهديد وجودها، إلى اليمين. لكن وعي الأرياف بالثورة قادم، كما هو الحال في التجربة الصينية والروسية، من المدينة.. من مثقفين راديكاليين ينتمون إلى الطبقة الوسطى. فهل تبدل التحولات التي تطرأ على العالم في ظل قطب دولي وحيد، تلك المعادلة الكولومبية؟ لا يملك رفيقي خوان جواباً، وإن كان يظن أن هناك تأثيراً. فالبلاد تتقلص فيها الأرياف مقابل اتساع عشوائي للمدن، كما أن انحسار الدعم الدولي (غياب السوفيات والدول الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة وانكفاء كوبا على ذاتها) يلعب دوره في عزلة الجماعات الكولومبية المسلحة، الأمر الذي يفسر -برأي خوان- اعتمادها على جباية "ضريبة الكوكايين".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة