معجزات سورية   
الاثنين 14/2/1433 هـ - الموافق 9/1/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:29 (مكة المكرمة)، 13:29 (غرينتش)

تشييع أحد الضحايا في مدينة حمص (الفرنسية-أرشيف)

ماهر شرف الدين

إلى شادي أبو فخر (ابن خالتي ورفيق طفولتي) الذي اختطفه الأمن السوري قبل خمسة أشهر ولا نعرف عنه شيئاً إلى اليوم.
                                    
                                     ***
لو كتبَ قاصّ قصة يقول فيها إن حكومة بلد ما استأصلت حنجرة مغنّ عقابا له على أغنية سياسية، لاتهم القارئ هذا القاص بالمبالغة والعنف المجاني.

ولو أرسل روائيّ إلى دار نشر مسوّدة رواية تبتدئ لحظة عثر الناس على رسام كاريكاتير محطم اليدَين بسبب لوحة ساخرة رسمها عن الدكتاتور، لتمّ رفض هذه الرواية ولطُلب من الروائي المزيد من الواقعية.

ولو أرسل شاعر إلى مجلة قصيدة يصف فيها الفراغ الذي خلّفه قطع عضو تناسلي لطفل صغير كتب على حائط مدرسته "الشعب يريد إسقاط النظام"، لطلبت إدارة المجلة من هذا الشاعر الابتعاد عن المذهب السوريالي لأنه بات قديماً ومستهلكاً.

اليوم، بعدما شاهدنا على "يوتيوب" عنقَ إبراهيم قاشوش، ويد علي فرزات، وحوض تحسين الخطيب، على القارئ ودار النشر والمجلة تقديم اعتذار مكتوب إلى القاص والروائي والشاعر.

                                     ***
خمسة آلاف سوري قُتلوا حتى اليوم، لو جمعناهم معاً لشكلوا قرية صغيرة بحجم قريتي في جبل العرب. وبعد أشهر سنصل بالتأكيد إلى رقم عشرة آلاف، وعندئذ علينا البحث عن قرية أكبر من قريتي بمرتين لجمع الشهداء فيها.

وبعد سنة سيكون علينا البحث عن مدينة صغيرة لجمع العشرين ألفاً.. ثم البحث عن مدينة كبيرة للمائة ألف.. ثم عاصمة للمليون.. دون أن نيأس من البحث عن وطن يتسع لعشرين مليون سوري.

                                     ***
الطائرة الورقية التي صنعناها في طفولتنا من جريدة "البعث".. لا أعرف كيف كان الهواء يستطيع حملها. والسفينة الورقية التي صنعناها في طفولتنا من جريدة "تشرين".. لا أعرف كيف كانت تعوم على الماء ولا تغرق. والهتافات الحزبية التي كنا نرددها في مدارسنا، لا أعرف كيف لم تُحطِّم أسناننا الصغيرة.

مثل هذه المعجزات في سوريا لم تكن لتخطر في بالنا يا شادي ونحن نفرش الصفحات الداخلية من جريدة "الثورة" تحت جاط الفول.. كي يَسْلَم من "شَرْشرتنا" وجهُ السيِّد الرئيس على الصفحة الأولى.
                                    ***
سوريا اليوم:
وطن يُمرّن عضلاته بحمل نعوش أبنائه.
_______________
شاعر وكاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة