زمّار الحي   
الخميس 1435/9/6 هـ - الموافق 3/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:58 (مكة المكرمة)، 13:58 (غرينتش)

إبراهيم صموئيل

فيما أعلم، لم يحدث أن أطلق البريطانيون على أحد كتّاب المسرح لديهم لقب "جورج أبيض أو توفيق الحكيم بريطانيا" بقصد التكريم له والتقدير لإبداعه، ولا أظن أن الفرنسيين خطر في بالهم تسمية روائي متميز عندهم "نجيب محفوظ فرنسا"/ ولا منَّت اليونان على فنان تشكيلي ظهر حديثاً بلقب "جواد سليم أو فاتح المدرس اليونان"!

بل وما سمعنا بأن ألمانيا كنَّت أحد مفكريها أو عالم اجتماعٍ لديها باسم "ابن خلدون" أو "ابن رشد"، أو أن النمسا ألحقت اسم عالم نفس لديها بـ"ابن سيرين"، أو اسم موسيقي عندها باسم "زرياب" أو "إسحاق الموصلي"، وحتى مكتشف الدورة الدموية الكبرى "وليام هاردي" لم يُلحق باسم "ابن النفيس" السابق عليه!

لم يحدث ذلك قط على ما أظن، ولا شاع أو انتشر بين أوساط المثقفين والمبدعين في تلك البلدان، ولا هو جرى على ألسنة جمهور الموسيقى أو الفن التشكيلي أو محبي الفلسفة وعلم النفس والطب البشري لأي سبب من الأسباب.

في الوقت نفسه، فإننا لا نكفّ عن تلقيب يوسف إدريس بـ"تشيخوف العرب"، ونجيب محفوظ بـ"إميل زولا"، ومارسيل خليفة بـ"ثيودوراكس"، وممدوح عدوان بـ"زوربا العربي"، وسعد الله ونوس بـ"البريختي"، وحتى إنجاز لوحة ضخمة عن آثار الحروب مثلاً بـ"غرنيكا" الفن التشكيلي العربي!

مثال أعلى
يجري ذلك كله مع مبدعنا العربي ليس من باب الإشارة إلى وجود "نظير" أجنبي له، وإنما بقصد تكريمه والتعبير عن أهمية منجزه عبر إتباعه "بمثال أعلى" أجنبي على الدوام يُعدّ منارة يُقتدى بها، ومكانة أرقى يتم التوصّل إليها!

وتحت الشعور بالدونية إزاء الثقافة الأجنبية وكتّابها، دأبت فئة من الكتّاب والمثقفين العرب على زج أكبر عدد من الأسماء الأجنبية، والاستشهاد بأقوال أصحابها، والاقتباس من نصوصهم وحواراتهم ومقالاتهم لدعم فكرة معينة، أو رأي، أو اجتهاد، أراد الكاتب أو الناقد العربي طرحه.

فئة من الكتاب والمثقفين العرب دأبت على زج أكبر عدد من الأسماء الأجنبية، والاستشهاد بأقوال أصحابها والاقتباس من نصوصهم وحواراتهم ومقالاتهم، لدعم فكرة معينة أو رأي أو اجتهاد

ويتم العمل على هذا النحو بقصد إبهار القارئ العربي وإقناعه بصوابية ما يتم الحديث عنه، فضلاً عن منح المقال أو الدراسة وزناً كبيراً وثقلاً معرفياً مهيباً، إذ إن للكتاب الأجانب هيبة وسطوة وعمقاً في الرؤية يصعب التنكر لها، أو مخالفتها في ظل المكانة العالية والانتشار الواسع اللذين لأصحابها.

وإذا صحَّ أن أحوالنا على صعيد الصناعة والزراعة واستثمار الثروات وريادة الفضاء والنظم السياسية الديمقراطية وما شاكل ذلك هي أدنى بكثير جداً اليوم مما هي الحال عليه في البلدان المتقدمة في الغرب، فإن أمر ثقافتنا وإبداعنا الأدبي والفني والفكري ليس كذلك إطلاقاً، أو على الأدق: لا يخضع للمعايير نفسها ولا يقاس بالموازين ذاتها.

مع الإبداع الأدبي والفني والفكري ما من دول متقدمة وأخرى متأخرة، وما من مكان لتعبير "دول العالم الثالث" و"دول العالم الأول"، إذ الباب مشرع أمام الموهوبين من مختلف الشعوب والبلدان، وهو ما نستدل عليه من حضور أدب أميركا اللاتينية مثلاً، واحتلاله مكانة في المشهد الإبداعي العالمي رغم تخلّف دولها وبلدانها وأنظمتها اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً عمّا هي عليه دول أوروبا وأميركا واليابان.

بل وحتى في ميدان الأنشطة الرياضية سنلاحظ مستويات رفيعة جداً -سواء في كرة القدم أو في ألعاب القوى- لدى العديد من أبناء وشعوب دول القارة الأفريقية الأشدّ فقراً وكوارث اجتماعية واقتصادية.

الانبهار والدونية
وسواء في عادة إلحاق المبدعين العرب "بأماثل" من كتّاب الغرب، أو في شيوع كثرة الاستشهاد بآرائهم وأقوالهم، فإن ثمة انبهاراً وشعوراً بالدونية لا يخفيان لدى بعض المثقفين العرب الذين سحبوا أحوال التقدم الاقتصادي والمجتمعي والسياسي لديهم على الأحوال الثقافية لدينا.

عمل الناقد عبد العزيز حمودة في كتبه على تعرية حالات الانبهار الزائف لدى عدد من المثقفين العرب بكتابات الحداثيين الغربيين وتقليدهم، قاصدا تنبيههم إلى الغنى المكنوز في تراثنا النقدي والإفادة منه وتطويره

ولتسليط الضوء على ظاهرتي تعظيم المنجز الفكري للكتاب الغربيين وتضخيمه والانبهار به من جهة، وبخس المنجز الفكري العربي وتحجيمه والتقليل من شأنه من جهة أخرى، أصدر الناقد عبد العزيز حمودة كتبه الثلاثة البالغة القيمة والمعرفة "المرايا المحدبة.. من البنيوية إلى التفكيك"، و"المرايا المقعّرة.. نحو نظرية نقدية عربية"، و"الخروج من التيه.. دراسة في سلطة النص".

وقد عمل الناقد على تعرية حالات الانبهار الزائف لدى عدد من المثقفين العرب بكتابات الحداثيين الغربيين وتقليدهم، قاصدا تنبيههم إلى الغنى المكنوز في تراثنا النقدي والإفادة منه وتطويره، وذلك في "محاولة لإنصاف البلاغة العربية والعقل العربي، أردتُ بها (يقول في كتابه) أن أستبدل بالمرايا المقعّرة مرايا عادية، ليست محدّبة تضخم من حجم تلك البلاغة وإنجازاتها، كما أنها ليست مقعرة تقلل من شأنها وتصغّر من حجمها".

وإذا كان ثمة رغبة في البحث والكشف عن وشائج وروابط، فالأجدر العمل على تقصّي هذا بين المبدعين العرب المعاصرين وجذورهم البعيدة والقريبة من المبدعين العرب السابقين والأوائل، وذلك لما بين الأجيال من "صلات رحم" ثقافية أدبية فنية وفكرية، خصوصاً أن لدى المثقفين العرب -الأوائل كما لدى المعاصرين- ما يوازي أو يفوق أحياناً- ما لدى مثقفي العالم، هذا إن قبلنا الإصغاء إلى "زمّار الحي" واحترمناه وقدّرنا منجزه!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة