التوقيع في معارض الكتب   
الأحد 1435/1/15 هـ - الموافق 17/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:05 (مكة المكرمة)، 13:05 (غرينتش)
 
أتيح لي في الأيام الماضية أن أكون كاتبا ضيفا على معرضين هامين للكتاب، في تونس والجزائر في لقاءين مفتوحين مع القراء الذين ربما قرؤوا لي نصوصا وأرادوا مناقشتها، أو جاؤوا مصادفة، أو لمجرد الفضول والتعرف إلى ضيف غريب يزور بلادهم.

ولأن معارض الكتب في نظر الكثيرين، مواسم خصبة لاجتذاب القراء في شتى أنواع المعرفة، بما فيها الكتابة الإبداعية، خاصة الرواية التي ما تزال تستهوي البعض برغم تراجع القراءة كثيرا عما كانت عليه في السابق، كان لا بد من الجلوس في فخ التوقيع على طاولات ممتلئة بالورق والآلات الحاسبة، في أجنحة دور النشر الضيقة والمزدحمة بجماهير أغلبها يسأل عن كتب غير موجودة.

الجلوس ليس عن رغبة أكيدة ولكن نوعا من الترويج، يراه الناشرون ضروريا، ويراه بعض المبدعين ضروريا أيضا، كنوع من الوقود الحيوي المطلوب لرفع معنويات المبدع، وتضخيم إحساسه أنه يملك قارئا مهتما، يحصل على توقيعه وصورة معه، تنشر بعد ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي، على الإنترنت.

من شروط التوقيع في معارض الكتب -إن كان لا بد من توقيع- أن يكون الكاتب منذ البداية مؤهلا له، أي يكون الكاتب صاحب قاعدة عريضة من القراء، يتشوقون بالفعل لقراءته، وبصمته التي يضعها على الكتب التي يشترونها

بالطبع من حق دور النشر بكافة أحجامها، أن تروج لسلعتها ما دامت تنتج تلك السلعة، وما دام هناك سوق تنافسي مزدحم بالمطبات والعقبات، وإمكانية الربح والخسارة، ومن حق المبدع أن يفرح بكتابه الجديد، ويتأنق تأنقه لليلة عرس، ويأتي ليوقع لقراء ربما يأتون عن علم بوجوده أو مصادفة، ومن حق القارئ المهتم أيضا أن يحصل على توقيع كاتب يحبه ولا يصادفه كثيرا، وسيكتب له عبارات الود والصداقة على الصفحة الأولى للكتاب.

لكن الأمر بمجمله يبدو لي غير منصف، خاصة للكاتب الذي لن يخرج في الغالب، من تلك الساعات التي ينفقها جالسا على طاولات البيع الخاصة بدور النشر، إلا بحرج كبير، وخدش في المعنويات أكثر من الارتقاء بها، وسيعود إلى بيته إن كان مقيما في بلد التوقيع، أو إلى فندقه إن كان ضيفا، لا ليتوهج ويكمل نصا بدأه، ولكن ليفكر كثيرا في أن لا يكتب مرة أخرى. أو على الأقل، أن لا يجلس في المواجهة مرة أخرى.

في رأيي الشخصي، إن الأجنحة الضيقة لدور النشر، تلك المكدسة بالكتب والزائرين، لا تلائم مسألة توقيع الكتب على الإطلاق، فما دام الكاتب يجلس على الطاولة التي يدير منها الناشر أو البائع في جناح الناشر حساباته، فمن الطبيعي جدا أن يسأله أحد عن سعر كتاب ما، أو عن توفر كتاب من عدمه، أو أن يأتي من يقلب سلعته التي يجلس ليوقع عليها، ثم يلقيها غير مبال ويمضي.

وربما جاءت مدرسة للأطفال بكامل شيطنتها، وبعثرت كتبه ومعنوياته، أو أحاط التلاميذ الصغار بوجهه واخترقوا مسامه، أملا في الدخول في صورة كانت تلتقط في تلك الأثناء، أو كاميرا تلفزيونية، كانت تصور مشهد التوقيع. وأحيانا يأتي أصدقاء ليحصلوا على نسخ مجانية موقعة، يقوم الكاتب بدفع قيمتها للناشر فيما بعد.

أنا أرى، أن من شروط التوقيع في معارض الكتب -إن كان لا بد من توقيع- أن يكون الكاتب منذ البداية مؤهلا له، أي يكون الكاتب صاحب قاعدة عريضة من القراء، يتشوقون بالفعل لقراءته، وبصمته التي يضعها على الكتب التي يشترونها، أو أن يكون كاتبا ظاهرة، وليس مجرد كاتب عادي، تحتمل كتبه الرواج أو الكساد.

لأن الكتّاب الظواهر خاصة في عالمنا العربي قليلون للغاية، وفي الغالب لا يجلسون تلك الجلسات المزدحمة، لا بأس أن يوقع الكاتب غير الظاهرة، ولكن في مكان مخصص للتوقيع، بعيدا عن أي صخب غير ضروري

وحتى لو كان يكتب أدبا راقيا معترفا به في المحافل الكتابية عربيا ودوليا، أن يكون من نوع الكتاب الذين إن جلسوا على طاولة بها آلاف النسخ، أن لا ينهضوا من جلستهم، إلا وهي فارغة، وإن جلس على رصيف في أي شارع، في أي مدينة، يزدحم الرصيف بالقراء المنتظرين ساعات ليصلوا إليه، لا أن يجلس هو وينتظر أن يأتي أحد أو لا يأتي.

ولأن الكتّاب الظواهر خاصة في عالمنا العربي قليلون للغاية، وفي الغالب لا يجلسون تلك الجلسات المزدحمة، لا بأس أن يوقع الكاتب غير الظاهرة، ولكن في مكان مخصص للتوقيع، بعيدا عن أي صخب غير ضروري، مثل ركن خاص ومغلق ومعروف أنه ركن التوقيع، ويعمل ببرنامج معلن سابقا. هنا الذي يأتي لهذا الركن، يأتي خصيصا للتوقيع  وليس مصادفة، وبإحساس الكسب لا الخسارة أو الحرج وهو يحمل نسخته موقعة من الكاتب.

وقد قامت بعض إدارات المعارض العربية بتخصيص مثل تلك الأركان التي تعمل بتنسيق معلن، ويوجد في معرض الشارقة العريق منذ زمن، ركن في الصالة الخارجية للمبنى، تجد فيه أسماء الكتاب وأيام توقيعهم مدونة، وبالرغم من أن معظم من يجلسون عليه، لا يحصلون على نصيب جيد من الدعم المعنوي، إلا أنه يظل مكانا ملائما، على الأقل يعطي الكاتب إحساسا بالراحة، وأنه يجلس في مكانه الطبيعي.

ومنذ عامين شاركت في أول موسم من برنامج تواقيع، الذي أنشأته إدارة معرض أبو ظبي للكتاب، وكان تقليدا محترما، حيث يحصل الكاتب على دعوة، وتذكرة سفر وإقامة، ليأتي خصيصا لهذا البرنامج، كما أن الإدارة تأخذ من الناشر، نسخا كثيرة من الكتاب المراد توقيعه، وتوزعها مجانا للذين يأتون طالبين التوقيع.

وكان قد خصص له ركن منزو داخل المعرض، وتسبقه ندوة أو حوار مباشر مع الكاتب، قبل أن يوقع على كل النسخ ويمضي. ومن مزايا هذا البرنامج، أن عددا كبيرا من الذين يحصلون على الكتاب مجانا، لا يكتفون بذلك، ولكنهم يأتون بأعمال أخرى للكاتب، يقتنونها من داخل المعرض، لتوقيعها أيضا.

مثل هذا البرناج في رأيي مهم في الوقت الحاضر، فما دمنا نسعى جميعا لاجتذاب القراء، سواء كنا كتابا أو شعراء أو ناشرين، أو عارضين للكتب، فلا بأس من أن نعممه على معارض الكتب المختلفة مع زيادة عدد المبدعين المشاركين فيه، وبذلك نقي المبدع، -غير الظاهرة- من حرج الجلوس متصلبا في زحام مرهق، قد يصيب وقد لا يصيب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة