"التعشيب" مهنة سببها الجوع والبرد بحي جوبر   
الخميس 23/4/1436 هـ - الموافق 12/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 23:14 (مكة المكرمة)، 20:14 (غرينتش)

علاء الدين عرنوس-دمشق

ما إن يهدأ القصف على حي جوبر الدمشقي، حتى يسرع الناشط أبو غسان إلى المواقع المدمرة، ليس للبحث عن ضحايا، بل لحمايتها من "المعشبين" القادمين من بلدات ريف دمشق إلى الحي.

و"المعشب" مصطلح يطلقه السوريون على من يجمع الأثاث والأدوات المنزلية من تحت أنقاض المباني المدمرة بقصد الانتفاع بها، سواء ببيعها أو مبادلتها أو استخدامها.

ويرى الناشط أبو غسان الذي تطوع لحماية المباني المتضررة من العبث والسرقة أن "التعشيب" بات مهنة ومصدر رزق لعشرات السوريين داخل مناطق ريف دمشق المحاصر.

يسعى الشاب مؤتمن لتأمين الخشب لأغراض التدفئة والطبخ ويبيع ما يزيد لديه (الجزيرة)

ظاهرة مؤلمة
مشهد عشرات المدنيين بين أنقاض المباني المدمرة بحي جوبر، حاملين أكياسا من الأثاث المنزلي المحطم والأواني البلاستيكية، بات مألوفا رغم خطورته، نظرا لتكرار قصف الأبنية التي سبق استهدافها.

ويقول الشاب مؤتمن (17 عاما) إن "كيسا من الحطب يزن سبعين كيلوغراما يقدر سعره بألفي ليرة سورية، قد يؤمن لفتى من قرية حمورية بعض المال لأسرته الكبيرة المحاصرة.

ويضيف، "أساعد إخوتي في تأمين الخشب لأغراض التدفئة والطبخ، ونبيع ما يزيد على حاجتنا لمن يشتري".

وفضلا عن النحاس والمواد الأخرى ذات الأهمية، فإن مؤتمن في مغامرة تنقيبه عن الخشب بين الأنقاض لا يوفر ما يعترض طريقه من العبوات البلاستيكية التي باتت سلعة مهمة لتقطير المازوت والبنزين داخل المناطق المحاصرة.

تجارة التعشيب
الناشط أبو غسان عقد اتفاقا مع مؤتمن حدد له فيه ضوابط عمله في الحي المدمر، فالبيوت السليمة والمتضررة جزئيا خط أحمر لا يجوز الاقتراب منها أو سلب شيء من أثاثها، وكذلك أماكن العبادة والمؤسسات العامة باستثناء ما سوي بالأرض وأصبح أنقاضا لا ينتفع منه صاحبه.

ويعبّر أبو غسان -للجزيرة نت- عن ألمه للجوء عشرات المدنيين إلى التعشيب بغرض التجارة، ولكنه لا ينفي حيرته من هذه الظاهرة التي نشأت أساسا في ظروف الحصار، بدافع البرد والجوع.

ويستدرك قائلا، "ولكننا في النهاية سنمنع الاعتداء على ممتلكات الناس مهما ساءت الظروف".

بين الأنقاض
على امتداد البصر ترى عشرات الأبنية وسط الحي قد سويت بالأرض، وما زالت الأعمال القتالية المستعرة في الجبهات تتسبب بالمزيد من دمار البنية التحتية للحي الكبير.

ودفع الدمار الهائل بالكثيرين من أبناء المناطق المجاورة إلى دخول الحي لجمع خشب الأثاث والنحاسيات والمواد البلاستيكية، فضلا عن الملابس والمؤونة من البيوت التي غادرها أصحابها.

ويقف رجل طاعن في السن أمام كومة من التراب الصلصالي يفتش عن باب خشبي كبير، يفترض أنه باب منزله الذي سوي بالأرض، وينظر إلينا ويصيح  بصوت مرتفع، "لا تفكروني حرامي يا ولاد، هذا ما بقي من بيتي".

"العشابون" لا يوفرون كل ما تقع عليهم أيديهم بين الأنقاض (الجزيرة)

جمع الأدوية
وأما أبو ماهر وهو أحد المدنيين القلائل الباقين في حي جوبر، فلجأ مطلع هذا الشتاء إلى استخدام أعمدة سقف منزله المدمر لغرض التدفئة، يقول: "لا أستغرب حين أسمع أن الناس يحطمون الأثاث المنزلي لأغراض التدفئة".

ويخلص إلى القول، "لا أحد يملك وقودا للتدفئة، وإن توافر فلا مال لدينا لشرائه، ويستحيل لك أن تعطي أولوية لثمن الحطب والأخشاب وأنت ترى أطفالك جوعى ومرضى".

وأفتت الهيئة الشرعية في وقت سابق من العام الماضي، بجمع كل الأدوية والمستحضرات الطبية من بيوت المدنيين، لكن ومع استمرار القصف اليومي المكثف ودمار تجمعات سكانية بأكملها، أصبح من الصعب على السلطات المحلية أن تحرس مئات البيوت المخلعة الأبواب.

ويعتبر حي جوبر الدمشقي أحد الأحياء المكتظة في العاصمة دمشق، وقد سكنه نحو ربع مليون مدني قبل اندلاع الاشتباكات، وغادرته أغلبية سكانه بحثا عن الأمن في مناطق أخرى.

ووفق تقديرات السلطات المحلية في الحي، فإن نحو 70% من بنيته التحتية باتت مدمرة تماما.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة