جزيء هيغز.. لغز كوني وذري   
الأحد 1433/11/22 هـ - الموافق 7/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:54 (مكة المكرمة)، 10:54 (غرينتش)
جانب من مراحل تركيب المصادم الكبير في مارس/آذار 2007 (الفرنسي-أرشيف)

فداء ياسر الجندي

سافرنا مع  قرائنا الكرام في المقالين الماضيين في الكون الفسيح اللامتناهي في الكبر، ثم  في كون الذرة الدقيق اللامتناهي في الصغر، فوجدنا أن الذرة عالم كبير بما فيه من جزيئات وأجسام وأجزاء وعجائب وألغاز، ووقفنا مع قرائنا الكرام عند لغز حيّر العلماء عقوداً، يتعلق ببنية الذرة وجسيماتها، ويتعلق بمراحل تطور المجرات والأجرام في الوقت نفسه، ولا عجب في ذلك، فخالق الكون الفسيح وخالق الذرة الدقيقة إله واحد.

وخلاصة اللغز الذري أن الجسيمات المكونة للذرة، مثل الإلكترونات والفوتونات والبروتونات وغيرها، تتميز بكتل مختلفة، لا تتناسب مع أحجامها، فمثلاً كتلة البروتون تعادل 1863 مرة كتلة الإلكترون،  ولم يجد العلماء أي تفسير لوجود هذه الكتل من جهة، ولعدم تناسبها مع أحجام مكونات الذرة من جهة أخرى.

أما اللغز الكوني فهو عن تشكل المجرات والأجرام السماوية، ذلك أن العلماء بعد دراستهم حركة المجرات أيقنوا أنها مع الزمن تتباعد في الفضاء الفسيح، فاستنتجوا من ذلك عبر حساب مواقعها قبل التباعد أنها كانت يوما ما في الأزمان السحيقة متقاربة في نقطة واحدة، وأن انفجاراً يسمونه "الانفجار العظيم" حصل آنذاك، فانطلقت منه مكونات الكون، ولا تزال تتباعد حتى اليوم، ومنها تشكلت الذرات والكواكب والشموس والمجرات، ولكن، كيف كان شكل المادة ما بين هذا الانفجار وبين تشكل الكون؟

وللإجابة على طرف من هذا الغموض، وضع عالم اسمه بيتر هيغز عام 1964 فرضية أوصلته إليها حساباته النظرية، خلاصتها أن اختلاف الكتل المذكور آنفا بين جسيمات الذرات لا بد أنه ناتج عن تفاعل جواهر الجسيمات الأولية -أي مجالاتها المكونة للذرات أثناء تشكلها بعد الانفجار العظيم- بمجال من الجسيمات كان يغمر الكون آنذاك، سماه باسمه "مجال هيغز"، وسمى الجزيء الذي  يتكون منه هذا المجال "جزيء هيغز"، وقال إنه أثناء مرور جسيمات الذرات في هذا المجال تفاعلت مع جزيء هيغز، فاكتسبت منه كتلتها المختلفة.

لم يستطع العالم (هيغز) إيجاد هذا الجزيء، وهذا المجال الذي قال إن الجسيمات تكتسب كتلها بسببه، بل قدره حسابياً بأن كتلته تعادل 125 مرة كتلة البروتون.

عملية تركيب المصادم الكبير استغرقت سنوات (الفرنسية-أرشيف)

المصادم الكبير
ومحاولة من العلماء لحل ألغاز الذرة، وألغاز تطور الكون (ولا نقول خلق الكون أو نشوء الكون، فالخالق البارئ المصور هو الله سبحانه)، بنوا منشأة هندسية وعلمية ضخمة لم تشهد الأرض مثلها من قبل، وسموها المصادم الكبير، غايتها أن يضعوا مكونات الذرة في ظروف تشبه الظروف التي توقعوا أنها كانت سائدة في الكون بعد لحظات من الانفجار العظيم، ومن ثم يراقبوا ما يحدث، عسى أن يتبين لهم بعض ألغاز الكون وتطوره وأسرار الذرات وبنيتها.

وهذه المنشأة ضخمة معقدة، تتألف من نفق دائري طوله 27 كيلومترا، وعمقه تحت الأرض مائة متر، وقطره أربعة أمتار، مزود بمعامل وأجهزة ومختبرات هائلة غاية في التعقيد، وقد كلفهم ذلك ما يزيد على عشرة مليارات دولار، أنفقتها بسخاء المنظمة الأوربية للبحوث النووية، المعروفة بالاختصار "سي أي آر أن" (CERN).

وذلك من أجل أن يطلقوا كميات هائلة من البروتونات عبر هذا النفق الدائري باتجاهين متعاكسين، وبسرعة هائلة تقترب من سرعة الضوء، بحيث تتصادم بهذه السرعة، فيؤدي تصادمها إلى تشكل ظروف يحسب العلماء أنها مشابهة لظروف ما بعد الانفجار العظيم، مما يؤدي إلى تفتت البروتونات وتناثر الجزيئات الأولية التي تكونها، وهنا تقوم المختبرات الضخمة والمعقدة الملحقة بالمصادم بتحليل نتائج التصادم، ودراسة أشكال وحجوم وكتل وطاقات الجزيئات الأولية الناتجة عنه.

وفي الرابع من يوليو/تموز الماضي، أعلن العلماء بفرحة كبيرة، بعد بحوث مستفيضة، أنهم عثروا بين الجزيئات الناتجة عن التصادم على الجزيء الذي تنبأ العالم بيتر هيغز بوجوده، فثبتت بذلك نظريته، وكان هيغز حاضرا عند الإعلان فدمعت عيناه، وصرح بأنه لم يكن يتوقع أن يتم اكتشاف هذا الجزيء في حياته، لأنه عندما وضع نظريته عام 1964 كان العلم بعيداً جداً عن توفر الإمكانيات اللازمة لإنشاء مثل هذا المصادم الكبير. ويقول المختصون إن بيتر هيغز قد ضمن جائزة نوبل لهذا العام.

هذه هي قصة جزيء هيغز، الذي شغل الأوساط العلمية مؤخراً، ولكنه مثل كل اكتشاف يجيب عن سؤال ويطرح أسئلة، ويحل لغزاً ويفتح ألغازاً، فإن كان مجال هيغز موجوداً يغمر الكون بعد الانفجار العظيم، فما هو مصدره؟ وماذا كانت الحال قبل الانفجار العظيم؟ وهل هناك جزيئات أخرى لم تكتشف؟ وما هو سر المادة القاتمة (التي ذكرناها في مقال سابق)؟ وهل لها علاقة بجزيء هيغز؟ سبحان خالق الكون الواحد، الذي قال في كتابه الكريم: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً".

________________
* كاتب وباحث ومترجم سوري في تقنية المعلومات

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة