كلمة مدير قناة الجزيرة في الذكرى التاسعة لإنطلاقها   
الأحد 1426/10/5 هـ - الموافق 6/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 20:06 (مكة المكرمة)، 17:06 (غرينتش)
خنفر يتحدث عن سنوات الجزيرة التسع(الجزيرة)
سعادة السيد رئيس مجلس الإدارة.
الحفل الكريم
 
احتفاؤنا بدخول الجزيرة عامها العاشر ليس احتفاءً بقصة نجاح باهر، ولا بومضة أمل عابر، بل هي احتفاء بخطوة مفصلية في مسيرة طويلة صوب الانتصار للحقيقة.
 
أعوام تسعة، هي في حساب الزمن قصيرة، وفي حساب الأثر الممتد في الواقع جليلة، وكفى المتأملَ أن يُرجع البصر إلى ما قبلَ عام ستة وتسعين، ليرى كيف نما الوعي الإعلامي : انداحت مآثره في حياتنا، وامتدت أياديه في واقع حالنا، وغدت (الجزيرة) علما مرادفا لمهنة نقل الخبر كما هو، دونما توجيه سلطاني، أو احتكار نخبوي.
 
فإن سأل سائل عن سر تفرد الجزيرة وعلو شأنها في هذه المدة القصيرة نسبيا، فإن الجواب يكمن في عدة عناصر تشكل : (روح الجزيرة)، بها صارت الجزيرةُ جزيرةً، وبها تصير أي وسيلة إعلامٍ ( جزيرة):
 
أولا: لجمت (الجزيرة) نزوع السلطة المتأصل نحو التغول على الإعلام، ووضعت القناة برزخا بين غرفة أخبارها وبين أروقة القصور، وصرفت عن صدر نشراتها أخبار الاحتفالات والاستقبالات، وأزاحت ما أرهق الناس من عبارات التمجيد والتبجيل، ونَفَذَت عبر ستائر التعميم والتعتيم إلى لب السياسة وأصل الخبر، فغدا العمل الصحفي- رغم الصعاب-  رسالة ومتعة.
 
ثانيا: أعادت (روحُ الجزيرة) للصحفي حريته المسلوبة، وحَرَرَ الإعلامي مرة أخرى المسافة بين طرف لسانه وشفتيه، وبين سن قلمه وقرطاسه، فانطلق الصحفي العربي مدفوعا بحريته ومهنيته،  واثقا لا يخشى بطش الرقيب، فقدم نماذج باهرة بالمعايير العالمية، وتجاوز إعلام السطح وما يتكدس عليه من بيانات ولقاءات واجتماعات، إلى إعلام العمق وما يتفاعل فيه من حقائقَ ومناهجَ وخطط.
 
ثالثا: ولما أنس المشاهد انحياز القناة للخبر الصادق، ولمس في منهجها انتماءً للإنسان وقضايا حياته، وخَبِرَ من الصحفي شجاعة وإقداما، أقبل على الجزيرة بكل جوانحه، فإذا بها تملأ الدنيا وتشغل الناس، ومع أن البعض بحث متوجسا عن سر التفوق وسرعة الانتشار، وربما غضب آخرون عندما انكسر احتكارهم للمعلومة والخبر، إلا أن الكل يقبل على شاشة الجزيرة للتعرف إلى واقع يومه خبرا ورأيا وتحليلا.
 
هذه هي (الروح) التي دفعت الجزيرةَ الى أعلى المقامات، وإذا أضيف الى ذلك، براعةُ التقديم، وجمالُ الشكل، وروعةُ الأداء، صارت شاشة الجزيرة قِبلة الباحثين عن الخبر الناشدين للحقيقة دون ملل ولا كآبة.
 
وإذا كان البعض قد استهان بشأن الرأي العام العربي، الذي كثيرا ما وصف برأي العامة والدهماء والرعاع والغوغاء، فإن منهج (الرأي والرأي الآخر) قد أفاد المواطن العادي من وجهين:
 
الأول: سدَّ الفجوة الخبرية بين ما يعرفه الساسة والزعماء وما يعرفه الناس كافة.
 
والثاني: مكّن عامة الناس من كتابة تاريخهم بأنفسهم، وفتح لهم منبرا، ولقُواهم السياسية والاجتماعية فسحة ومكانة.
إنجازات وتطلعات:
 
عام 2005 شهد تحولات مهمة في مسيرة القناة، فعلى مستوى الشاشة، كانت انطلاقتها المتجددة نقلة نوعية، قدمت فتراتٍ إخباريةً مطولةً، وبرامجَ وثائقيةً جديدة، تناغمت الصورة فيها مع الكلمة، وبرامج أخرى تغوص فيما وراءَ الخبر، وتستنطق صناع القرار وأهلَ الرأي، ثم استعانت الجزيرة لتنفيذ ذلك بأفضلَ ما توصل اليه العلم الحديث من تكنلوجيا، وأطَّرت ذلك كلََََه في شكلٍ هو الأجملُ والأروع.
 
وقد شهدنا في عامنا الفائت تفعيل خدمة الجزيرة- مباشر، فَنَقلت الى منازل مشاهديها ما كان يدور في أروقة المؤتمرات حكرا في أحيان كثيرة على النخب السياسية والثقافية، وننوي في عامنا القادم ان شاء الله تقديم خَدمات إعلامية متميزة عبر شاشة الجزيرة- مباشر، ونقل ندوات متخصصة، تتناول زوايا مهمة في واقعنا العربي سياسيا واجتماعيا وثقافيا.
 
وإيمانا بأن العمل التلفزيوني المبدع لا ينفك عن الميدان، ووصولا إلى الخبر حال وقوعه، فقد شهد عام 2005 تطويرَ شبكة مراسلينا الذين زاد عددهم على السبعين، فانضم إلى الشبكة مراسلون في كازاخستان، وإثيوبيا، وفينزويلا والهند، وزُودت مكاتبنا بخدمات فنية عالية المستوى، وتم تأسيس إستوديوهات في عدد من المكاتب الرئيسية، استعدادا لنقل خدمات إخبارية يومية.
 
مسيرة مركز الجزيرة للتدريب والتطوير تعززت، فازدادت أعداد المتدربين لتصل هذا العام إلى حوالي 1400 متدرب مقارنة بـ1065 العام الفائت، ويستعد المركز بالتعاون مع مؤسسات دولية وإعلامية لإعداد أدلة إرشادية للمهن الإعلامية في التخصصات المختلفة.
 
أما الجزيرة- نت فقد واصلت تطوير خدماتها الإعلامية، وقطعت حاجز النصف مليون زائر يوميا، وتستعد هي الأخرى لجملة خدمات متميزة سيعلن عنها في الوقت القريب.
 
مركز الجزيرة للإنتاج التلفزيوني أشرف على مهرجان الجزيرة الأول، بغية تعزيز الإنتاج الوثائقي العربي، ودعم المنتجين الجدد، وتجري الاستعدادات حاليا للمهرجان الدولي الذي سيعقد في 27 مارس 2006، بمشاركة عالمية واسعة.
 
وفي نهاية شهر يناير/ كانون الثاني القادم، تستضيف القناة ملتقى الجزيرة العالمي الثاني، الذي سيعقد تحت شعار: (حرية الكلمة في سبيل الديمقراطية والإصلاح).
 
وقد وجهت الدعوات لمئات الإعلاميين العرب والأجانب،  لمناقشة قضايا مهمة تتمحور حول الإعلام والديمقراطية، وتتناول مستقبل المهنة في ضوء المستجدات السياسية والاجتماعية والعلمية.
 
وتجري الاستعدادات لافتتاح مركز الجزيرة للدراسات وقياس الرأي، بمشاركة نخبة متميزة من الباحثين، ليشكل إضافة مهمة سيكون لها تأثير كبير عربي وعالمي.
 
أيها الحفل الكريم،
ومع كل الانجازات التي قطعتها البشرية باتجاه حرية الكلمة، إلا أن السلطة، أي سلطة ما عدا القليل، تبدو مصممةٌ على السير في نهج الإقصاء والتضليل، فقد شهد عام 2005 تراجعا ملحوظا في الحريات الإعلامية عالميا وعربيا، ونظرة واحدة على ترتيب دول العالم وفقا لحرية الصحافة، نجد الدول العربية في مؤخرة القائمة.
 
بينما تراجع ترتيب دول كبرى كالولايات المتحدة وفرنسا، ولعل الحكمَ المسيس الصادر بحق زميلنا تيسير علوني، واستمرارَ اعتقالِ مصور الجزيرة سامي الحاج في غوانتانامو، واللغطَ الدائر حول حماية المصادر الصحفية في قضية جوديث ميللر، وما يطال الإعلاميين في بلدان عربية من استهداف وتصفية وتضييق، يدفعنا جميعا أن نطلق حملة عالمية للتضامن مع حرية الصحفي، وأن تتضافر جهودنا كإعلاميين، بغض النظر عن انتماءاتنا المؤسسية أو الفكرية، لنحمي حق الكلمة، ونعلي شأن المهنة، ونصد عادياتِ سلطتي السياسة والمال.
 
وفي انتظار أن تضيءَ الجزيرة شمعتها الحاديةَ عشرة، أستذكر من استشهد في سبيل الحقيقة من زملائنا، وأشكر كل من كتبوا قصة نجاح قناتنا، وأقدر لكم جميعا مشاركتنا هذا الحفل.
وكل عام وأنتم بخير.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة