"جنرال بلا نجوم" رحلة عاشق للخرطوم   
الخميس 1434/9/11 هـ - الموافق 18/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:25 (مكة المكرمة)، 11:25 (غرينتش)
غلاف كتاب "جنرال بلا نجوم" للكاتب السوداني يوسف الشنبلي (الجزيرة)
محمد نجيب محمد علي-الخرطوم
 
يتكئ الكاتب السوداني يوسف الشنبلي على خبرة اجتماعية كبيرة وتجربة صحفية طويلة أكسبتاه الرؤية الثاقبة والعميقة والتوثيقية للأمكنة والأزمنة، مع ذخيرة لغوية مهمة كانت بيّنة في كتابه الصادر مؤخرا "جنرال بلا نجوم"، الذي يرصد حياة الخرطوم الاجتماعية والثقافية والفنية بعين الصحفي والنجم الاجتماعي.
 
وكان الشنبلي قد غاص في كتابه الأول "صحافي بلا حدود" عميقا في تاريخ الصحافة السودانية ودهاليزها وأفراحها وأتراحها ومؤامراتها، فهو أحد رواد الصحافة السودانية الحديثة، وقاد نقابة الصحفيين السودانيين ثلاث فترات متتالية في عهدي الرئيس نميري و"الديمقراطية الثالثة (1964-1969)، كما نال حظه من الاعتقال في بدايات "ثورة الإنقاذ".
 
يوثق الشنبلي لتاريخ الخرطوم الفني والثقافي، حتى تكاد ترى الخريطة الاجتماعية والثقافية للخرطوم وهي تنظر إليك هاتفةً "هذا كتابي"
المدينة الذاكرة
بين المكان والزمان يتنقل الكاتب في مربعات الخرطوم المدينة، راصدا متمهلا ومستقصيا وناقدا، زاده ذاكرة حديدية تستدعي الطفولة والشباب، فيرسم الشنبلي بريشة الفنان المجرب والصحفي الخبير كل صور وألوان وجدران مدينة الخرطوم, حيث مرجعية الفن الراقي ورواده، وذاكرة مدينة لا تخفى الحسرة على ما كانت عليه لدى الشنبلي.

تبدأ العاصمة السودانية في رحلة "جنرال بلا نجوم" جغرافيا بأحياء الخرطوم "تلاتة" و"السجانة" و"الديوم شرقية وغربية"، هذه الأحياء كانت مهد الأحزاب وملجأ المناضلين, منها انطلقت ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 و"ليلة المتاريس"، ونشأت فيها الطرق الصوفية وأول دار لرعاية المسنات عام 1923 وأول دار للأيتام.

أربعة من كبار المفكرين والأدباء والشعراء كانوا في هذا المربع -كما يذكر الشنبلي- الأديب جمال محمد أحمد في حي باريس من الناحية الشمالية الغربية أو شارع الحرية، والهادي العمران في الجهة الشرقية والغربية، ومربي الأجيال مصطفى أبوشرف من الناحية الجنوبية الغربية، والشاعر الفحل عبد الله الشيخ البشير.

وفي الوسط ساريتان خفاقتان هما الدكتور محيي الدين صابر والشاعر محمد المهدي المجذوب، ويتوزع مبدعون كثيرون في المدينة على مدى البصر والذاكرة، كلما تحركت شمالا أو جنوبا أو غربا.

يوثق الشنبلي لتاريخ الخرطوم الفني والثقافي، حتى تكاد ترى الخريطة الاجتماعية والثقافية للخرطوم وهي تنظر إليك هاتفةً "هذا كتابي"، فقد وقف على كل تاريخها دون أن يغفل حتى "مجانينها وشحاذيها", واستخدم كل معلوماته ومشاهداته في تدوين هذا التاريخ, من زاوية معاصر لتاريخ المدينة.

استطاع الشنبلي في "جنرال بلا نجوم" أن يقدم صورا من الطرافة لمدينة الخرطوم في النصف الأول من القرن العشرين، ووثق لعدد من الشخصيات، وأضاء بعض الجوانب المعتمة

ما لم يدوّن
وأعطت مهنة الصحافة للشنبلي مساحة واسعة للاختلاط بكل مكونات الخرطوم القديمة والحديثة, إذ يعتبر شاهدا على عصر ازدهار المدينة "التي كانت في يوم ما تغسل شوارعها ليلا بالديتول"، كما يقول.

ولم يغفل الشنبلي قاع المدينة كما يطلق عليه, ومنها أنديتها الليلية والسينما والمقاهي العريقة التي يؤمها السودانيون والأجانب ومنها مقهى "أتني" الذي تعمل فيه فتيات "إغريقيات بتنورات قصيرة ومقهى الزيبق ولعب "الورق" ومقاهي الصنايعية والعمال".

يقول الناقد عامر محمد أحمد إن الكتاب "يمثل صرخة من عاشق للخرطوم  لعل مدينته تصحو من السبات، وهي التي لم تعرف الليل من النهار حتى تبدلت شوارعها وسكانها وهدمت مبانيها وطمس تاريخها حجرا ومدرا".

وللخرطوم -كما يقول أحمد- تاريخ فيه من الأفراح والأتراح والتقدم والتأخر والتأرجح والثبات، وفيه الفن والذوق الرفيع والسياسة وألاعيبها، على أرضها افترشت البساطات الحمر والخضر والزهور, وأيضا أصابتها السيول فجرفت المبنى والمعنى, أرضا وإنسانا.

اجتماعياً وسياسيا استغلها الإنجليز واستغلتها الحكومات الوطنية، فيها عاش رافع الطهطهاوي وأعدم أحمد العوام والعارف بالله أبوجنزير, غسلت بالديتول واغتسلت بالدموع والدماء, منفاها اختياري, وحكمها إجباري مر عليها الكل, فأخذت من كل قادم أجمل ما فيه..

بينما يرى الناقد مجذوب عيدروس أن الكتاب يجمع بين الفائدة والمتعة، وقد استطاع يوسف الشنبلي في "جنرال بلا نجوم" أن يقدم صورا من الطرافة لمدينة الخرطوم في النصف الأول من القرن العشرين، ووثق لعدد من الشخصيات، وأضاء بعض الجوانب المعتمة ومن ضمنها أشار لشخصيات لعبت أدوارا كبيرة في الإبداع والسياسة والفن ووثق لعدد من أحياء الخرطوم القديمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة