الذاكرة تخيم على زيارة هولاند للجزائر   
الخميس 6/2/1434 هـ - الموافق 20/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 20:43 (مكة المكرمة)، 17:43 (غرينتش)
الرئيس الفرنسي وصف استعمار بلاده للجزائر بالعنيف وغير العادل (الفرنسية)

هشام موفق-الجزائر

رفض الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند خلال زيارته إلى الجزائر تقديم اعتذار للجزائريين عن الماضي الاستعماري، رغم اعترافه "بجرائم" الاستعمار الفرنسي في حق الشعب الجزائري.

وخيمت ملفات التاريخ المشترك بين الجزائر وفرنسا على زيارة الرئيس هولاند التي استمرت يومين، رغم محاولة المسؤولين من الجانيين إضفاء نوع من "البراغماتية" في التعامل حين روجوا لاتفاقات بروتوكولية اقتصادية بحتة.

ووصف هولاند في خطاب له أمام نواب البرلمان الجزائري اليوم الخميس، استعمار بلاده للجزائر بأنه "عنيف وغير عادل"، واعتبر حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني هذا التصريح "انبطاحا" للجزائر، بينما اعتبرته أحزاب سياسية أخرى "مجاملة للجزائريين فقط".

مجاملة
لكنّ قضية الاعتذار والتعويض التي يطالب بها الجزائريون الجانبَ الفرنسي، دائما ما تحدث ضجة إعلامية وسياسية في مثل هذا المناسبات.

وطالب 12 حزبا سياسيا الرئيس الفرنسي "بضرورة الاعتراف بهذه الجرائم أولا، والاعتذار عنها ثانيا، والتعويض المادي والمعنوي عنها ثالثا".

جاء ذلك خلال رسالة إلى هولاند والشخصيات الوطنية وجهتها مجموعة من الأحزاب وحصلت الجزيرة نت على نسخة منها، وغاب عن التوقيع حزبا السلطة جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، وبعض الأحزاب العلمانية.

لكن الرئيس الفرنسي كان واضحا منذ أول يوم في زيارته للجزائر، وقال "لم آت هنا للندم أو الاعتذار".

محمد حديبي: خطاب هولاند ما هو إلا مجاملة للجزائريين فقط، لأنه يخلو من مطلب الاعتذار
وقال المتحدث باسم مجموعة الـ12 حزبا الموقعة على الرسالة محمد حديبي إن "هذا الخطاب ما هو إلا مجاملة لمشاعر الجزائريين فقط، لأنه يخلو من مطلب الاعتذار".

وأضاف حديبي للجزيرة نت أن "هولاند يريد الاستفادة من فائض الخزينة العمومية المكدسة بمليارات الدولارات، وبالمقابل سيبيض صورة السلطة الجزائرية عند الغرب".

وبحسبه فإن هولاند يعرف أن النظام السياسي لا يملك شرعية شعبية، لذلك هو يضغط من أجل تحقيق مكتسبات من خلال عائدات البترول، حسب تعبيره.

واحتلت فرنسا الجزائر لمدة 132 عاما خاض خلالها الجزائريون عدة ثورات ضد المحتل الفرنسي إلى غاية عام 1954 تاريخ اندلاع الثورة الكبرى التي سقط خلالها 1.5 مليون شهيد، إضافة إلى تدمير وإبادة مناطق بأكملها.

ملفات عالقة
غداة الاستقلال بقيت عدة ملفات تاريخية عالقة، من بينها ملف "الأقدام السوداء"، وهم المستوطنون الذين جاءت بهم فرنسا الاستعمارية أواسط القرن الـ19 الميلادي خلال فترة احتلالها للجزائر وملّكتهم أملاك الجزائريين الأصليين.

وقد غادر هؤلاء الجزائر عند أول احتفال بالاستقلال عام 1962 خوفا من انتقام الثوار الجزائريين، رغم أن الحكومة المؤقتة ضمنت لهم الأمن.

ويطرح هؤلاء اليوم ملف تعويضهم عما يسمونها "أملاكهم" التي تركوها في الجزائر، وهو ما يرفضه الجزائريون. لكن السلطات الفرنسية منذ ستينيات القرن الماضي تستعمل الملف كورقة ضغط على السلطات الجزائرية.

هولاند طلب من الجزائر علاقة الند بالند
(الفرنسية)

وتتحدث مديرية أملاك الدولة عن إحصاء أكثر من 24 ألفا من العقارات الشاغرة كان يستغلها "المعمّرون"، لكن الكاتب الصحفي المتخصص في القضايا التاريخية محمد مسلم يتهم السلطات الجزائرية بعدم التعامل "بشفافية" في هذا الملف.

وقال للجزيرة نت إن "السلطة لا تتحدث عن الموضوع إلا إذا اضطرت إلى ذلك"، مشيرا إلى أن مجلس حقوق الإنسان رفض دعوى قضائية رفعها أحد عناصر الأقدام السوداء ضد الحكومة الجزائرية.

وأضاف مسلم أنه "يمكن الاستئناس بهذا الرفض في قضايا أخرى مماثلة، لكن السلطات لا تفعل".

من جانب آخر لا تُذكر العلاقات الجزائرية الفرنسية دون التطرق إلى قضية "الحركى" أو الخونة الذين كانوا يساعدون الاستعمار في إبادتها للجزائريين، وفروا بعد إعلان استقلال البلاد إلى فرنسا.

وترفض السلطات الجزائرية عودة هؤلاء، لكن كثيرين منهم يطالبون في كل مناسبة برد الاعتبار لهم، سواء من السلطات الفرنسية التي أهملتهم بعد الحرب، أو من طرف الجزائر التي يطالبونها باسترداد "حقوقهم" بعد "مجازر" مزعومة ارتكبت بحق أهلهم.

براغماتية
في المقابل ينظر أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر الدكتور مصباح عامر إلى الأمر من زاوية أخرى، إذ يفهم من تصريحات الساسة الجزائريين والفرنسيين على أن هناك "رغبة في تجاوز الملفات العالقة" بين الجانبين من أجل "الدفع باقتصاد البلدين".

واستدل عامر في حديثه للجزيرة نت بما قاله هولاند من أنه يريد علاقة "الند للند"، وهو ما أعطى الانطباع -حسب المتحدث- بأن السلطة في باريس تريد التخلي عما دأب عليه رؤساء فرنسا السابقون من التعامل بعقلية "المستعمر السابق".

من جانب آخر، يرى عامر أن هذه العلاقة المبنية على البراغماتية تفيد البلدين، حيث ستستفيد الجزائر منها في نقل التقنية إليها، بينما سيستفيد الفرنسيون منها في تعزيز استثماراتهم بالجزائر بعد الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها بلادهم، بدليل التوقيع على عدة بروتوكولات أهمها إنشاء مصنع لمجمع رينو للسيارات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة