الإسلام والمسيحية: من ينفي الآخر؟   
السبت 1422/10/5 هـ - الموافق 22/12/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

الدوحة - الجزيرة نت
طرح الكاتب الإسلامي زين العابدين الركابي في مقاله بصحيفة الشرق الأوسط الصادرة اليوم قضية العلاقة بين الإسلام والغرب, والتهمة التي رددها البعض في الآونة الأخيرة بأن المسلمين بمقتضى المصدر الذي يتلقون منه (القرآن) يسعون لنفي الآخر (اليهود والنصارى) مؤكدا عدم صحة هذه التهمة ومحملا إياها للغرب.

تهمة مردودة

اتهام المسلمين
-بمقتضى المصدر الذي يتلقون منه- بنفي الآخر حتى يخلو وجه الأرض لهم، هو اتهام علت نبرته وتتابعت مقولاته في لجة الأزمة العالمية الراهنة
وفي هذا الصدد يقول الكاتب: اتهام المسلمين - بمقتضى المصدر الذي يتلقون منه- بنفي الآخر حتى يخلو وجه الأرض لهم وحدهم فحسب، هو اتهام علت نبرته، وتتابعت مقولاته في لجة الأزمة العالمية الراهنة التي طرحت -في صورة من الصور- مسألة العلاقة بين الأمم، أو الصلة بالآخر. ويعلل الكاتب ذلك بعدة أسباب هي:
أ
-المصدر لا ينفي الآخر، لأنه يقر باختلاف المناهج والشرائع: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة».
ب
-والمصدر لا ينفي الآخر، لانه يقر بتعدد الشعوب والقوميات: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا».
ج
-والمصدر لا ينفي الآخر، لأنه يقر بتنوع الألسنة والألوان: «ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم».
د
-والمصدر لا ينفي الآخر، لأنه يعد قسر الناس جميعا على ملة واحدة نوعا من الجهالة: وإن كان كبر عليك أعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين». وإذا كان الإعراض عن الهدى لا يسوّغ نفي الآخر من الكوكب والعالم -لا معنويا ولا ماديا- فليس يسوّغ النفي: ما هو دون الهدى من المفاهيم والمبادئ السياسية والعرقية والاجتماعية.


من أقسى صور الوهن النفسي، ومظاهر جلد الذات أن عرباً ومسلمين صدقوا خرافة نفي الآخر وأخذوا يكتبون المقالات ويؤلفون الكتب ويعقدون الندوات من أجل معالجة هذا المرض عند المسلمين!!
ويؤكد الكاتب أن
اتهام المسلمين بأنهم ينفون الآخر -بحكم إيمانهم بالإسلام- (خرافة كاملة) بالمعنى المنهجي لتعريف الخرافة، وهو اتهام التاكه قبل أسبوعين الكاتب البريطاني من أصل كاريبي (نايبول) -الذي منح جائزة نوبل للآداب لهذا العام- إذ زعم: «أن المسلمين يعتقدون أنه لا سبيل إلى التعايش مع الأمم والحضارات الأخرى»!!.. وأنه لمن أقسى صور الوهن النفسي، ومظاهر (جلد الذات): أن عربا ومسلمين صدقوا هذه الخرافة وأخذوا يكتبون المقالات ويؤلفون الكتب ويعقدون الندوات من أجل معالجة (مرض نفي الآخر) عند المسلمين!!.

ويتساءل الكاتب: كيف يزعم زاعم أن
المسلمين نفاة للوجود اليهودي والنصراني في حين أن الكتاب والسنة اعترفا بهذا الوجود في أدق معانيه، وأوضح صوره، وهو (الوجود المعنوي) المتمثل في اليهودية والنصرانية؟. وفي الإيمان بموسى وعيسى عليهما السلام؟.
إن
النقيض هو الصحيح، وهو الحقيقة، أي أن هذا الآخر هو الذي (ينفي) المسلمين من خلال عدم اعترافه بأصل وجودهم المعنوي، وهو: الرسالة الإسلامية المنزلة من عند الله.

الإيمان
بالمسيح وإنجيله

الإيمان بالمسيح وإنجيله، شرط للإيمان بمحمد وبالكتاب الذي نزل عليه.. ومن يكفر برسالة عيسى ونبوته، يكفر في ذات اللحظة بالقرآن، وبنبوة محمد
ويقدم الركابي برهانا
على تقبل الآخر فيقول: لقد عاش المسلمون ويعيش المسيحيون مناسبتين مواتيتين للحديث عن إيمان المسلمين بالمسيح وإنجيله. فمنذ قليل انقضى شهر رمضان، وها هي ذكرى ميلاد المسيح تكتنف العالم المسيحي. ولكن ما العلاقة بين المناسبتين المتداخلتين زمنيا؟ في رمضان يقبل المسلمون على القرآن إقبالا يفوق إقبالهم عليه في الشهور الأخرى. وفي صلاة القيام كنا نستمع إلى الإمام في الصلاة وهو يتلو -مثلا- سورة آل عمران، (وهي سورة تكرر فيها وصف أهل الكتاب) 12 مرة.. وهذا ذروة (الاعتراف بالآخر) أي جوهر الاعتراف بالوجود المعنوي للآخر.

ويستطرد في هذا الإطار فيقول وإذ
يحتفي الإسلام بميلاد المسيح: «فأشارت إليه قالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيا، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا، وجعلني مباركا أينما كنت، وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا، والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا».. إذ يحتفي الإسلام بهذا الميلاد الخارق المعجز المبارك، فإنه يوجب على كل مسلم أن يؤمن بالمسيح صلى الله عليه وسلم نبيا رسولا. وأن الإيمان بالمسيح وإنجيله، شرط للإيمان بمحمد وبالكتاب الذي نزل عليه.. ومن يكفر برسالة عيسى ونبوته، يكفر -في ذات اللحظة- بالقرآن، وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

المقياس الصحيح
وبعد أن يقدم الكاتب الأدلة من القرآن والسنة على الإيمان بالمسيح نبيا ورسولا يخلص إلى القول بقدر
سعة عقل المرء والأمة وصدرهما وروحهما لـ (الحق كله) يكون تسامحهما، ويكون تقبلهما للآخر. وحين يدعي الكل بأنه متسامح، وواسع الأفق، ويدعي بأن غيره هو المتعصب، النافي للآخر، فإنه لا بد من مقياس منهجي يميز بين ادعاء وادعاء..


نحن نؤمن بالأنبياء جميعا، ومن بينهم عيسى بن مريم. فهل يحترم المسيحيون
-في الغرب خاصة- نبينا كما نحترم نبيهم؟ ”
ويتساءل الكاتب عن المقياس
الصحيح لذلك فيقول -إن من أجلّ وأضبط مقاييس استقامة البشر، وصحة منهجهم العقدي والفكري، وحقيقة سموهم الفكري، اتساع صدورهم وعقولهم وأرواحهم لـ (الحق كله) وإجلال أهل الحق ومحبتهم من خلال (الزمان كله)
و(المكان كله).. وبمقتضى هذا المقياس

-فحسب- يوصف هذا الإنسان بأنه (متسامح) وذاك بأنه (متعصب)، فالذي يتسع أفقه
للحق كله، ولحملة الحقيقة هو الإنسان المتسامح.. والعكس صحيح مائة بالمائة.

وبناء على ذلك يقول الكاتب
كان من عزائم الإسلام التي كلفها المسلمون: أن تتسع عقولهم وصدورهم للحق كله، ولرواد الحقيقة جميعا: «شرّع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه».. أجل نحن نؤمن بهؤلاء الأنبياء جميعا، ومن بينهم عيسى بن مريم. فهل يحترم المسيحيون -في الغرب خاصة- نبينا كما نحترم نبيهم؟.. وهل السماحة الأرحب والأصدق تصلح دليل اتهام على أن المسلمين هم المتعصبون وهم نفاه الآخر؟.. وهل يرضى المسيح عليه السلام بهذا الجور؟.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة