الغيوان.. انبثقت من الهامش لتغني له   
الخميس 8/9/1433 هـ - الموافق 26/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)
فرقة ناس الغيوان المغربية تغني في مهرجان مدينة مدنين بالجنوب التونسي (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
عادت فرقة ناس الغيوان المغربية الشهيرة لتصدح بأغانيها الخالدة في تونس، وافتتحت الفرقة الموسيقية الأكثر شهرة في العالم العربي مهرجان مدنين الثقافي بجنوبي البلاد، ليسهر جمهوره على أغان شهيرة مثل "زاد الهم" و"النحلة" و"مهمومة" و"يا الدم السايل"،عرفها منذ السبعينيات وشكلت ملمحا قويا للأغنية السياسية الملتزمة.
 
نشأت فرقة ناس الغيوان في أواخر الستينيات داخل الهامش المغربي، في "الحي المحمدي" الأكثر فقرا بالدار البيضاء، فلم يكن لها خيار غير نقل أوضاع ذلك الحي وتلك الطبقة المعدمة، لتؤسس بعناصرها الأغنية المناوئة، التي كانت صوت المحرومين من جهة وسلواهم من جهة أخرى، في ظل ذلك البؤس والقمع الذي يعيشونه.
 
ولعل هذه خصوصية هذه التجربة وهذا النمط الغنائي الغناء وجدت أثرها لدى جمهور الجنوب التونسي، الذي ما زال ضمن جمهورية ما بعد الثورة يعيش التهميش، وخاصة هذه الأيام التي تشهد نقصا كبيرا في توفير المياه والكهرباء في وقت تعرف البلاد فترة حر شديد.
 
فرقة ناس الغيوان بدأت مسيرتها من الحي المحمدي بالدار البيضاء المغربية (الجزيرة)
رؤية الهامش
تأسست ناس الغيوان على أيدي كل من بوجمعة أحكور والعربي باطما وعمر السيد وباكو أوعبد الرحمن قيروش وعلال العلي. وقد عانى هؤلاء من الفقر وانقطعوا عن التعليم مبكرا ويذكر بعضهم أنهم كانوا يقتاتون من المزابل مثلما كان يفعل الكاتب محمد شكري وكانوا يرشون بالمبيدات الحشرية وهم ينبشون أكوام الزبالة بحثا عن القوت، فعاشوا كل ضروب المعاناة التي شكلت معينا أساسيا، بعد ذلك، لفنهم، فانتصروا لتاريخهم ولسيرهم وعالمهم: عالم الفقراء والمسحوقين والمقهورين.

غنت ناس الغيوان للعالم وللسلام ونادت بوقف الحروب واشتهرت كلمات أعضاء فرقتها "أحنا ولاد العالم جايبين السلام، من أرض السلام، باركا م الحروب، جفو دموع الصبيان، نهديلك باقة ورود، شعارها بالسلام، من أرض السلام، خليونا من لكذوب، خليو لحق يبان، بلغونا للمقصود، شعارنا بالسلام...". كما غنوا حنينا لناس المعاني والأخوة والتكاتف وغنوا للفقير وللجائع وللطفل الفلسطيني تحت رصاص الصهيوني وغنوا للمقموعين في الهامش المغربي والعربي.

وفضحت الفرقة المغربية الأشهر الفساد السياسي والأخلاقي والتفاوت الإجتماعي. وتعتبر أغنية "مهمومة" واحدة من أهم الأغاني التي مست المواطن العربي في كل مكان وكرست الغيوان كمجموعة معارضة تصدح بمواقفها من ذلك الفساد، فكيف لا ينتفض الحاكم رعبا من كلمات تقول "مهمومة يا خي مهمومة، مهمومة هاذ الدنيا مهمومة، فيها النفوس ولات مضيومة، ولي بنادم عباد الومة، المسكين ف همومه بيت يلالي، عايم ف لفقايص عمومة محمومة".

وتعد الذاكرة الشعبية والتجربة الشخصية المصادر الرئيسة في أعمال الغيوان، فذاكرة الأم وحكاياتها كانت محرضا أساسيا للقول في مجتمع ازدهرت فيه الثقافة الشعبية والأدب الشعبي وحلقات القوالين. وارتباط هؤلاء الفنانين بأمهاتهم هو ما يفسر الثقل الأخلاقي ربما الذي ترشح به أغانيهم والتي في كثير منها دعوة للإصلاح وحزن على تردي الأخلاق بين الناس، في وقت ننتظر من هؤلاء الخارجين من الهامش بكل توحشه أن يكونوا دعاة للتحرر الأخلاقي وللمجون.

وهذا ما يشبه -في وجه من وجوهه- في تونس عالم الفن الشعبي "المزود" الذي نشأ وازدهر في سجون العهد البورقيبي بين المهمشين، فازدحمت المدونة بأغاني القهر والظلم والغربة والحنين إلى الأم. ويذكر عمر السيد أحد مؤسسي ناس الغيوان أن العبقرية تورثها الأمهات لا الآباء، وإن أغلب العباقرة كانت خلفهم أمهات استثنائيات ويضيف: "فهمت بعد سنوات من تجربة ناس الغيوان لما صنعنا شيئا متميزا، ببساطة لأننا كنا "أولاد أمهاتنا".

رحيل الفنان العربي باطما مثل خسارة كبيرة لفرقة ناس الغيوان (الجزيرة)

باطما فقيد الغيوان
على الرغم من رحيل العربي باطما، سنة 1997 -الذي مثل رحيله خسارة كبرى للمجموعة- فإن ناس الغيوان ظلت صامدة. وباطما لم يكن مجرد عنصر في المجموعة بل كان نجما كبيرا وشخصية كاريزماتية وأديبا وسيناريست ورياضيا عاشقا لكرة القدم. كتب باطما سيرة حياته في جزأين بعنوان "الرحيل" و"الألم" بعد أن اكتشف صدفة إصابته بمرض خبيث أودى بحياته.

ويقول في سيرته ساردا تلك اللحظة الفاجعة "كنت بصدد تصوير مسلسل تلفزيزني من تأليفي، وكانت اللقطة التي نصورها في أحد المستشفيات، فالتقيت طبيبا وأخبرته بآلام أشعر بها، ولم أندم في حياتي على شيء قمت به، كندمي على تلك اللحظة التي أخبرت بها الطبيب، أما كان الأحرى أن أسكت وأترك الجرثومة تنهشني في جسمي ثم أموت دون عذاب ودون إشاعة وهموم وتحليلات. أما كان الأجدر بي هو السكوت".

ويمضي بعد ذلك العربي باطما يقلب سيرته الذاتية على جوانبها، ولكن أغرب ما يمكن أن تقرأه في سيرته هو موقفه من الفن ومن انخراطه فيه إذ يصدمك بقوله "لقد عذبني الفن طيلة حياتي، كم من مرة تمنيت لو كنت عطارا أو خضارا أو جزارا, فعلى الأقل ستكون حدة المشاكل أهون من مشاكل الفن. أنا أحبك أيها الفن وأكرهك، أنت أصل الراحة والعذاب".

ويكشف باطما أن مجموعة ناس الغيوان في مرحلة من مراحلها هددها النجاح الكبير والمال الكثير فعكرت تلك الأمور العلاقات بين أفرادها وضربت عمقهم الأصيل، هذا الإحساس وهذه التحولات جعلت باطما يتمنى في آخر حياته لو بقي يصلح العجلات في حي شعبي، على أن يكون فنانا شعبيا يقاوم بلا جدوى أنياب البرجوازية التي تمزقه تمزيقا ناعما.

فرقة ناس الغيوان أخرجت الفن من الصالونات المخملية إلى أتربة الأحياء الشعبية وصخبها لتكون فرقة رائدة أثرت في كثير من التجارب الموسيقية والغنائية العربية والعالمية

القضية الفلسطينية
كلما التقت الجمهور تصدح الغيوان بأغان شكلت لحظة وعي للكثير من شباب جيل السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ومثلت صوتا عاليا للاحتجاج في فترة مهمة من التحولات العالمية، هذه الأغاني كانت نصيرة  لقضايا تحرر الشعوب من الاستعمار والاستغلال في كل مكان.

وعادت القضية الفلسطينة القضية الأكثر قربا إلى أذهان الغيوانيين وأصواتهم فألهمت مجزرة صبرا وشاتيلا العربي باطما أروع الأغاني التي يرددها ناس الغيوان إلى اليوم "الدنيا سكنات/ صهيون دارت مابغات/ صبرا وشتيلا المجزرة الكبيرة/ الأطفال دبحات/ شيوخ وعيالات/..

ومع الانتفاضة الفلسطينية سنة 1987 وقف باطما منشدا "يا انتفاضة دومي، بحجارك دومي بصغارك دومي، بين السما والأرض طيري وحومي، ضد جيوش الاحتلال، دومي يا انتفاضة دومي، على القدس أنغامي، هنايا وهمومي، دومي يا انتفاضة  دومي".

كان الجمهور التونسي على موعد مع الكلمة الحرة والعميقة من مجموعة ولدت ثورية وثورت الفن وأخرجته من الصالونات المخملية إلى أتربة الأحياء الشعبية وصخبها لتكون فرقة رائدة أثرت في كثير من التجارب الموسيقية والغنائية العربية والعالمية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة