إعمار العراق باجتثاث البعث وتماثيل صدام   
الأحد 1424/10/21 هـ - الموافق 14/12/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

إبراهيم غرايبة - بغداد

تحتاج أحيانا لكي تعبر الجسر فوق نهر دجلة إلى ساعتين، فهذه الجسور التي كانت تربط الطرق والأحياء بثلاثة مسارب للسيارات في كل اتجاه، أعيد اثنان منها فقط على هيئة جسر حديدي مؤقت من الجسور التي تبينها الجيوش لمواجهة الانهيارات أو للعمليات العسكرية ويمكن بصعوبة أن تمر سيارة واحدة من كل اتجاه، فيحدث اختناق وزحام يتحول فيه نهر السيارات المتدفق على الطريق بثلاثة مسارب إلى رتل بطيء بمسرب واحد، وقد افتتح جسران من هذا النوع بعد أكثر من ستة أشهر من الاحتلال باحتفال مهيب رعاه الحاكم الأميركي في العراق بول بريمر.

يقول الدليل العراقي الذي كان يرافقنا وينسق اللقاءات والزيارات، "لو كان صدام موجودا لاحتاج الأمر شهرين على أقصى تقدير لترى كل هذه الجسور المهدمة والعمارات والمرافق المهملة تعمل من جديد كأنها لم تتعرض لأذى".

ويتحدث الدليل ساخرا كيف تحولت الأزمات المرورية على الجسور إلى سوق لبيع الموز بخاصة والفواكه والبضائع، ففي تلك الساعات التي تقضيها بانتظار العبور على الجسر تجد دافعا للمساومة والتفكير في الشراء وربما البيع أيضا، ويقبل العراقيون على نحو غير عادي على شراء الموز، يقول الدليل إنه يشتريه ولا يأكله، ولكن فقط للشعور بالحرية، والحصول على شيء كان نادرا في العراق، وكذلك الأمر بالنسبة لأقراص الكمبيوتر، وأجهزة الاتصال الدولية وشبكة الإنترنت، والأجهزة الكهربائية التي تتكدس على الأرصفة وفي الطرقات، والسيارات من كل نوع والتي يقدر عدد ما استورد منها بعد الاحتلال بنصف مليون سيارة.

ولا يلاحظ العراقيون ولا زوار العراق ولا الصحفيون تغييرا إيجابيا يذكر على حياة الناس وشؤونهم والخدمات والاحتياجات الأساسية، بل العكس، فالمباني والمرافق التي دمرت مازالت أنقاضا في وسط المدينة، الاتصالات والكهرباء والطرق والجسور، وأبراج الكهرباء وأعمدتها التي دمرت بعد الاحتلال على نحو سوريالي مبرمج لا يفهم الهدف منه ولا الفائدة التي تعود على أصحاب البلدوزرات الذين لا يمكن أن يكونوا أفرادا عاديين وهم يسيرون على طول جميع طرق العراق فيدمرون الأبراج التي تحمل كابلات الكهرباء مهدرين مليارات الدولارات بلا فائدة مرجوة تعود عليهم.

وفي عراق النفط تحتاج أن تقف تسع ساعات متواصلة في خط انتظار طويل لا ترى نهايته لتتمكن من الحصول على البنزين، أو يمكنك أن تشتريه بعشرة أضعاف ثمنه من باعة على قارعة الطريق، ويصر المسؤولون على أنه لا يوجد أزمة بنزين أبدا، ولا أحد يجيب لماذا لا تشغل محطات تكرير النفط أو محطات توليد الكهرباء، ولا أحد يسأل في العراق ابتداء.

ولا تجد فيما يتاح لك متابعته عن إعادة إعمار العراق سوى أخبار ملاحقة البعثيين وتماثيل صدام حسين وصوره واكتشاف مزيد من القبور الجماعية يحب كل طرف أن يعتبرها كما يريد أو يتوقع، فهي مذابح للأكراد والشيعة والمعارضين أو هي مذابح للجنود والموظفين العراقيين والمواطنين السنة الذين تعرضوا هم أيضا للمجازر، ويبدو أن الكل كان يذبح في العراق ومازال يذبح أيضا.

وشكلت مؤخرا الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث برئاسة رئيس المؤتمر الوطني العراقي أحمد الجلبي، ومهمتها ملاحقة البعثيين، والتأكد من عدم توظيفهم ومشاركتهم في أي من مؤسسات الدولة أو الترشح للانتخابات القادمة، ومحاكمة المسؤولين منهم عن جرائمهم السابقة.

وذكر بيان للجنة حقوق الإنسان في العراق صدر في السادس من ديسمبر/ كانون الأول الحالي أن عدد المعتقلين العراقيين لدى قوات الاحتلال بلغ 17488 شخصا، وأنه تم إعدام 400 عراقي دون محاكمة، في حين تعرض 620 مواطنا للتعذيب بحيث فقدوا القدرة على العودة إلى العمل مجددا - وهناك 600 معتقل لم يكشف عن مصيرهم، كما أن القوات الأميركية هدمت 226 منزلا خلال عمليات المداهمة.

وأمام كل ذلك لا تجد ما تعلق به سوى شعار تعثر عليه في زحام الشعارات واللافتات والإعلانات عن الاحتلال والطغيان وإعلانات نعي الموتى وتسويق البضائع وشتم الناس والفئات، شعار واحد يتيم بقي من مخلفات النظام السابق ولم تصله بعد الهيئة العليا لاجتثاث البعث "ليحفظ الله العراق".
________________________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة