نوبل الأدب.. ودكتاتورية الجوائز!   
السبت 1435/12/17 هـ - الموافق 11/10/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:15 (مكة المكرمة)، 12:15 (غرينتش)

أمير تاج السر*

طبعا وكالعادة، وخلافا لما كان يتوقع معظم المتابعين لنوبل الأدب هذا العام، وخلافا لحلم عشاق ميلان كونديرا وهاروكي موراكامي وعاموس عوز صاحب الرواية البديعة "قصة عن الحب والظلام" بأن ينال كاتبهم تلك الجائزة الرفيعة، مُنحت الجائزة لكاتب يساري فرنسي لم يكن شهيرا جدا، ولا يقترب في اللمعان من كونديرا أو موراكامي.

وطبعا نحن العرب عندنا أدونيس الشاعر الذي يربض اسمه قريبا من باب الجائزة منذ ما يقرب من عشرين عاما، لكن الباب يأبى بشدة أن ينفتح له.

وبغض النظر عن تلك المواقف التي حاكم بسببها المثقفون العرب أدونيس ولاموه، وبعضهم تصدى له علنا بالكتابة ضده، فأنا أعتقد أنه يستحق الجائزة الكبرى على المستوى الإبداعي، وما الجوائز إلا تكريم من المفترض أن يكون منطقيا لكل من قدم شيئا في مجاله.

أدونيس يستحق، وحنا مينا يستحق، وإبراهيم الكوني يستحق، ومحمود درويش كان يستحق، وكثيرون يستحقون، لكن ليس كل من يستحق يكسب، إنما اللعبة لعبة حظ وحسابات أخرى لا نعرف عنها شيئا ولا نستطيع حتى التكهن بها، وجائزة نوبل بالذات، لا تشبه الجوائز الأخرى، فهي لا تشبه غونكور ولا بوليترز ولا مان بوكر بالرغم من اتساع ضجة مان بوكر وإمكانية أن يتحول الحاصلون عليها إلى نجوم بين ليلة وضحاها.

وعكة الكتابة
جائزة نوبل في جزء كبير من تخطيطها تعي مسألة الاحتياج المادي لتشرد الكتابة ووعكاتها، وتعالجه قبل أن ينتشر الكاتب إلى كل لغات العالم بعد الحصول على الجائزة، وأتذكر أن الفرنسي ماري غوستاف لوكليزيو أشار إلى أنه بات من الممكن الآن أن يسدد ديونه وذلك بعد أن حصل على نوبل الأدب في إحدى دوراتها.

الحصول على جائزة يعني ترتيبات كثيرة جديدة ستحدث في حياة الكاتب والقراء على حد سواء، حيث ستفرض أعمال الكاتب على القارئ قسرا حتى لو لم يكن يحبه، وستجعله مشاركا في النقاش حوله رغما عن كل شيء

ولأن الموضوع يبدو أشبه بالحلم، فقد قال فارغاس يوسا عشية اتصال الأكاديمية السويدية به، وكان في رحلة أدبية إلى نيويورك برفقة زوجته: "لم أجرؤ على إيقاظها من النوم وإخبارها، خوفا من أن تكون دعابة سخيفة من أحد، وانتظرت حتى بثت وسائل الإعلام الخبر".

إذا كان صاحب "مديح الخالة" و"حفلة التيس" وغيرها من الكتابات الصادمة، حد الإدهاش، يتحدث عن إمكانية أن يكون نبأ حصوله على الجائزة مجرد حلم مجهض، فماذا يتوقع شاعر عربي؟ أو كاتب سيربض عشرات السنين أمام باب الجائزة، ويأتي من يدخل بكل سهولة ويسر، في كل موسم.

مشكلة الجوائز الأدبية كبيرة وبلهاء أحيانا، وتثير الغثيان في أحيان كثيرة، فالحصول على جائزة يعني ترتيبات كثيرة جديدة ستحدث في حياة الكاتب والقراء على حد سواء، حيث ستفرض أعمال الكاتب على القارئ قسرا حتى لو لم يكن يحبه، وستجعله مشاركا في النقاش حول الكاتب رغما عن كل شيء، وستسعى دور النشر في جميع أنحاء العالم لترجمة أعمال الفائز بسرعة وتعجل وأخطاء لغوية وتقنية، وتفرضه على الناس فرضا.

ولن يكون لدى الإعلام الثقافي في أي بلد خبر أهم من حصول أحدهم على نوبل الأدب، في حين أن جوائز نوبل الأخرى في مجالات مثل الطب والفيزياء والكيمياء تؤخذ بهدوء، ويتوارى حاصدوها بعد ذلك يعدون المال وينتظرون المجد العلمي، في حين تبقى نوبل الأدب، محل جدال لزمن طويل، ربما لأنها الفرع الوحيد الذي لا يحتاج إلى درجة بروفيسور حتى ينافس فيه الناس. فالمبدع الكاتب، قد يكون بدأ عتالا في أحد الموانئ، وتثقف وكتب بعد ذلك.

أذواق متعددة
سؤالي الذي أطرحه دائما بمناسبة الجوائز، وأعتقد كثيرا في جدواه: هل كل من نال نوبل الأدب، أو في الحقيقة نال جائزة أدبية سواء كانت نوبل أو غيرها، يستحق تلك الجائزة؟

القراءة أذواق، والقراءة مصالح أيضا، والقراءة في وطننا العربي تشبه إلى حد كبير تشجيع كرة القدم.. "من هو أفضل كاتب أيها المواطن؟ هو الذي من بلدي"، وهكذا، لا تبدو الأمور لدينا جيدة سواء حصلنا على جوائز أم لم نحصل

انقسام البروتون، أو تشظي الخلايا الجذعية، أو إمكانية أن تتحول حلقة البنزين إلى زيت لمحركات السيارات، مثلا، مثل تلك الاكتشافات ثابتة وثابت مجهودها، والزمن الذي استهلك حتى اكتشفت.

لنأتي إلى الأدب المحاط بحالات تذوق مختلفة لأسلوب واحد أو لنص واحد، وبالتالي لن أقول بأن مواطن جزيرة ترينداد: نيبول لا يستحق الجائزة، لأنني لم أتذوق أعماله، فقد تذوقها الآلاف غيري، ولن أقول إن غارسيا ماركيز كان يستحقها لأنني أعشقه، وأعشق كل حرف كتبه، فما زال هناك من يرى ماركيز مجرد كاتب عادي من كولومبيا، دخل في بوابة الحظ وكسب.

القراءة أذواق، والقراءة مصالح أيضا، والقراءة في وطننا العربي تشبه إلى حد كبير تشجيع كرة القدم، كما ذكرتُ في مداخلة لي في الظهران في فعاليات موسم القراءة "من تشجع أيها المواطن؟... فريق بلدي". "من هو أفضل كاتب أيها المواطن؟ هو الذي من بلدي"، وهكذا، لا تبدو الأمور لدينا جيدة سواء حصلنا على جوائز أم لم نحصل.

رأيي أن نعتني ببيوتنا الثقافية أولا، ننظفها من المصالح والتحزبات، والتشجيع على طريقة الكرة، ونحصل على اعتراف بنا من أنفسنا.. نحب أدونيس لموهبته الإبداعية، ولا يكون التركيز على موقف سياسي أو غيره.

نحب الكوني لأنه قدم لنا على مدى أكثر من أربعين عاما عالما ثريا لن يكون بذلك الوضوح والترف المعرفي حتى لو زرناه في الواقع. بعد ذلك يحق لنا تقديم أنفسنا للجوائز الكبرى.. وحتى هذه كما ذكرت لا تخلو من الشوائب، نعم هناك حد أدنى من الإبداع، يجب اكتسابه أولا، لكن الحسابات الأخرى موجودة أيضا.

شخصيا، لم أقرأ لموديانو الذي حصل على الجائزة هذا العام من قبل، لكني أعرف اسمه، ولدي رواية له اسمها "الأفق"، اقتنيتها منذ فترة، ولم أفتحها بعد، لكن من المؤكد أنني سأسعى لقراءته، لأنه فُرض الآن عليّ كقارئ من قبل جائزة كبرى، ولا بد من الانصياع لديكتاتورية الجوائز.

_______________

* روائي وكاتب سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة