عرفات أجاد المناورة وأتقن لغة الإعلام   
الجمعة 1425/10/6 هـ - الموافق 19/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 16:32 (مكة المكرمة)، 13:32 (غرينتش)
قدرة فذة على البقاء والتكيف، وذكاء سياسي حاد، صفات لم ينكرها أحد على الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، لكن الرجل أيضا تميز عبر سنوات عمره الطوال بقدرة فريدة على مخاطبة الإعلام سواء لاجتذاب الأنصار أو حتى إغاظة الأعداء لينقل قضية شعبه من قضية لاجئين يبحثون عن مأوى إلى حركة التحرر الأولى في العالم.
 
ورغم أن دراسته الأساسية كانت في مجال الهندسة، ومع أن نطاق عمله بعد ذلك دار في فلك النضال والمقاومة، فإن عرفات بدا في معظم الأوقات نجما إعلاميا يمتلك القدرة على التأثير في مستمعيه وينقل الأمل إلى المحيطين به مهما كانت التحديات والصعوبات.
 
ومنذ تأسيسه حركة فتح أواخر الخمسينيات ثم قيادته لمنظمة التحرير الفلسطينية أواخر الستينيات تجسد في عرفات الكثير من آمال الفلسطينيين وأحلامهم، وبدا الرجل فريدا بين المحيطين به سواء في عباراته الفخمة أو مظهره المتميز الذي ارتبط بالكوفية الشهيرة واللحية القصيرة والزي العسكري الأنيق إضافة إلى المسدس المتدلي على خصره.
 
وأظهر عرفات قدرة دائما على تغيير المسارات من أجل تحقيق الهدف، فبعد أن قاد حملة ترويع ضد إسرائيل انطلاقا من الميثاق الفلسطيني الذي يدعو لتدميرها حول الرجل مساره لينجح في كسب تعاطف الرأي العام العالمي مع القضية الفلسطينية عندما خطب أمام الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1974 قائلا عبارته الشهيرة "جئت إلى هنا أحمل غصن الزيتون في يد وسلاح المقاتل من أجل الحرية في اليد الأخرى، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي".
 

عرفات يبتسم للرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون (رويترز-أرشيف)

ابتسامة دائمة
ولم تكن رحلة الرجل سهلة، سواء في مواجهة اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي أو الشقاقات التي كانت تحدث بين حين وآخر مع دول الطوق مثل لبنان والأردن وسوريا ومصر والسعودية أو حتى دول الخليج، لكن عرفات استطاع دائما الإبقاء على "شعرة معاوية" مع كل هذه الأطراف وغيرها مستخدما ابتسامته الدائمة وعناقه الحار وقبلاته التي كان يوزعها حتى لمن يعرف أنهم يكنون له أسوأ المشاعر.
 
وظل حلم الدولة الفلسطينية المستقلة ملهما لعرفات وقاسما مشتركا في الكثير من تصريحاته، بداية من إعلانه الرمزي في الجزائر عن إقامة دولة فلسطينية مستقلة في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1988، وحتى نبوءته الشهيرة بأن "يرفع طفل فلسطيني أو زهرة فلسطينية علم فلسطين على مآذن وكنائس وأسوار القدس".
 
ولم يتورع عرفات عن استخدام لغة تهديدية أو حتى ساخرة وكثيرا ما عطف على تأكيده بإقامة الدولة الفلسطينية يوما ما، قوله بالعربية الفصحى "شاء من شاء وأبى من أبى" أو باللهجة العامية إن "اللى مش عاجبه يشرب من بحر غزة".
 
سلام الشجعان
ووجد أبو عمار دائما في العبارات الرنانة سبلا لتبرير تكيفه مع الظروف أو تغييره للوسائل، فمع توجهه للسلام مع إسرائيل لم يتردد في وصف رئيس وزرائها الأسبق إسحق رابين بـ"شريكي رابين" بينما وصف السلام الذي يسعى إليه بـ "سلام الشجعان" ربما في محاولة لتبرير عدم استجابته لتوجه سلمي سابق قاده الرئيس المصري الراحل أنور السادات.
 
وفي كل الأحوال حاول عرفات أن يبدو أو لعله بدا فعلا شديد الثقة بنفسه وبقضية شعبه الذي كان يحرص دائما على وصفه بـ "شعب الجبارين" في رسالة كان لها بالتأكيد الكثير من التأثير على معنويات شعبه إيجابا ومعنويات عدوه سلبا.
 
والغريب أن عرفات الذي تعرض للخروج من فلسطين ثم الأردن ثم لبنان كان يردد دائما وفى أحلك الظروف أنه في الطريق إلى العودة "إلى فلسطين وإلى القدس"، ليثبت لخصومه قبل مؤيديه أنه محارب عنيد في القتال ومثابر قدير في السياسة.
 
وفي كل المناسبات كان عرفات يلفت الأنظار بعباراته المؤثرة، ففي مصر يعلن أنه مصري الهوى ويتذكر شبابه المبكر في القاهرة، ومع المسيحيين الفلسطينيين يحرص على القول بأن السيد المسيح هو أول شهيد فلسطينيي.
 

عرفات يهم بتقبيل الحجر الأسود في بيت الله الحرام (الفرنسية-أرشيف)

شهيدا شهيدا

وأصبح عرفات بحق أحد أشهر الشخصيات في العالم بأسره، ونجح في غرس صورته التي تتميز بوجه مبتسم ويد مرتفعة بعلامة النصر تارة أو يدين متشابكتين تارة أخرى، وحتى عندما حاصرته إسرائيل نحو ثلاث سنوات في مقره المدمر بالمقاطعة في رام الله لم يتخل الرجل عن ملامح شخصيته الفريدة، وكثيرا ما ردد عبارته الشهيرة "ياجبل ما يهزك ريح"  كرد ساخر من المحاولات الإسرائيلية للقضاء عليه سياسيا ومعنويا.
 
وطوال سنوات الحصار كان عرفات يدرك أن إسرائيل تتمنى اختفاءه من الساحة السياسية التي ملأها لعشرات السنين، لكن ظل على حاله بل وأضاف إلى قاموسه الشهير عبارته الأشهر "يريدونني إما أسيرا وإما طريدا وإما قتيلا .. وأنا أقول لهم بل شهيدا شهيدا شهيدا".


____________
الجزيرة نت
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة