مبادرة شبابية لتعليم الأطفال المحاصرين بغوطة دمشق   
السبت 1436/4/18 هـ - الموافق 7/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 10:52 (مكة المكرمة)، 7:52 (غرينتش)

علاء الدين عرنوس-ريف مشق

تستعد هديل (9 أعوام) لبدء الفصل الثاني من عامها الدراسي بحماسٍ شديد، بعد أن حظيت للعام الثاني على التوالي مع ألف طالب آخر بفرصة الذهاب إلى المدرسة والتعلم رغم أجواء الحصار والقصف اليومي التي تعانيها غوطة دمشق.

ومع استجابة الأهالي لمبادرة مجموعة من الشباب الجامعيين قبل عامين، دخلت هديل إلى مدرستها الجديدة في عين ترما بغوطة دمشق لتعوض عاماً ضائعاً قضته خارج مقاعد الدراسة بعد تعطل المدارس نتيجة الأعمال العسكرية.

ورغم عدم اعتراف السلطات الحكومية بالعملية التربوية في مناطق المعارضة، فإن عشرات الأسر تشجعت لإرسال أولادها للتعلم بقصد المعرفة ودمجهم في الحياة الطبيعية بعيداً عن ضغوط الحصار وأعمال القصف.

يرى أيهم والد هديل -الذي اعتاد على توصيل طفلته إلى المدرسة صباح كل يوم- أن ابنته باتت تتمتع بحال أفضل من الأعوام السابقة بفضل ممارستها حياة طبيعية بين رفاقها بعيداً عن ثقافة الحرب، فالأطفال "سيكون بوسعهم العيش في عالمهم النقي داخل المدرسة بعيداً عن مشاهد العنف والدم المنتشرة في كل مكان".

هديل حظيت للعام الثاني بفرصة الذهاب إلى المدرسة رغم أجواء الحصار (الجزيرة نت)

بيئة بديلة
ويضيف أيهم للجزيرة نت "استجبتُ لمبادرة بعض أبناء البلدة لحضور جلسة تعريفية عن نشأة مجموعة تربوية، وأثارني أن طفلتي لن تردد بعد اليوم نشيد طلائع البعث، ولن تقرأ في الصفوف الدراسية المواد المؤدلجة"، معتبراً أن التعليم في الثورة السورية تحرر من القيود التي رافقته على مدى نصف قرن.

في مركز قريبٍ آخر ببلدة حمورية، يرتاد المدرسة مائتا طفل أغلبهم من المتضررين من الحرب، وفقدوا أفراداً من عائلاتهم بسبب أعمال القصف أو عمليات الاعتقال، لكنهم جميعهم لم يغادروا مناطق الغوطة منذ بدء الثورة في ربيع 2011، إذ يسعى المتطوعون قدر استطاعتهم إلى إيجاد بيئة بديلة لهم لدمجهم في حياة طبيعية.

تتنوع أساليب التعليم، فمنها الكتابي، ومنها التفاعلي، ومنها الحسي، ومنها النقاش والحوار، والاختبار المعتمد على العمل الجماعي في جميع المواد.. يلفتك وأنت تطالع المناهج التربوية أن صفوفاً دراسية في مادة "التربية القومية الاشتراكية" قد ألغيت، وحلت مكانها صفوف مكثفة لدروس الفنون التطبيقية ومهارات المشاريع الجماعية.

تقول منى وهي مدرسة متطوعة من مجموعة "آمال" التربوية في عين ترما للجزيرة نت، إنها وعلى مدار عامين استطاعت مع عشرات الزملاء المدرسين تعديل المناهج الدراسية وتطويرها للأطفال والفتية بما يتناسب مع واقعهم الجديد، مضيفة "استطاع الطالب أخيراً تفعيل معلومته وتوظيفها في واقعه.. لن يحصل بعد اليوم على معلومة تزيد عن حاجته".

في حمورية عين ترما ارتاد المدرسة ألف طفل أغلبهم من المتضررين من الأوضاع (الجزيرة نت)

خارج مقاعد الدراسة
لم تمنع الظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشها أبناء الغوطة من إرسال أبنائهم للتعلم، في تعويضٍ لهم عن ظروف الحصار واحتدام المعارك. وتلقى مبادرات التعليم تقبلاً واسعاً بين أسر الأطفال رغم تخوفهم من قصف الطائرات المفاجئ. ورغم صعوبة الحصول على أرقام دقيقة حول أعداد الأطفال المحاصرين في ريف دمشق، فإن أغلبهم لم يحصل على تعليمٍ بحده الأدنى للموسم الثالث على التوالي.

مدير مجموعة "آمال" حسن الباشا وضح للجزيرة نت أن "المجموعة أهلت ودربت كوادرها للتعامل مع الأطفال التضررين من الأوضاع، مستفيدين من تجارب تعليم الأطفال في المناطق المحررة الأخرى".

ويستدرك الباشا "نجحنا منذ عامين وحتى اليوم في إنشاء مدرستين في حمورية وعين ترما استقطبتا أكثر من ألف طفل من محاصر ونازح من مختلف مناطق النزاع".

أما الناشط عمار من مركز جوبر الإعلامي فيؤكد "أن مئات الأطفال لا يزالون خارج المدارس وفقاً للظروف في بلدات ريف دمشق، وتشكل عملية حصارهم منعاً قسرياً لحقهم الأساسي في التعلم".

ويرى عمار أن الحل يبدأ بفتح النظام الممرات الإنسانية أمام تأمين الحاجات الأساسية للأطفال، وتوقفه عن قصف مدن ومناطق آهلة بالمدنيين، مشيرا إلى أن "تواجد الفصائل المسلحة في مكان ما لا يجعل من الأطفال هدفاً".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة