مظاهرة في "عرين الأسد" بوضح النهار   
الاثنين 1433/8/19 هـ - الموافق 9/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 4:32 (مكة المكرمة)، 1:32 (غرينتش)
حتى الأماكن المحصنة في العاصمة دمشق لم تخل من المظاهرات (دويتشه فيلله)

انطلقت الاحتجاجات المناهضة للنظام السوري من دمشق، لكنها لم تتوسع إلا عند انتقالها للمحافظات البعيدة، بينما بقيت العاصمة هادئة نسبيا.
 
الصحفية السورية سوسن محروس تروي مشاهداتها لمظاهرة اندلعت في حي المهاجرين "المحصن" في دمشق، وتقول إنها كانت في طريقها لزيارة إحدى صديقاتها بعد يوم مضن غير متوقعه أن شيئا من هذا القبيل سيحدث هنا أيضا, فالمكان أولا وأخيرا محصن تماما ولا يمكن للمعارضة أن تحلم بالوصول إليه أو أن تفكر مجرد تفكير في القيام بشيء ما فيه.

وأثار تجمع مجموعة من الشباب والفتيات في الشارع الذي يقود إلى الزقاق استغرابها، وتساءلت ما إن اقتربت من الشارع، كيف تمكن هؤلاء من التجمع في مثل هذا المكان الحساس، وفي هذا الوقت خاصة، دون أن يلفتوا النظر أو يثيروا الشكوك؟
 
وقالت "نحن أولا وأخيرا في ظروف مصيرية وفي أكثر أحياء العاصمة السورية دمشق تحصينا، إنه حي المهاجرين العريق الذي يقع فيه القصر الجمهوري أو ما يحلو للبعض أن يسميه بعرين الأسد".

ونقلت سوسن محروس ما عاشته في المظاهرة "تجمدت في مكاني وبدأت أراقبهم حيث أنا دون أن أتقدم خطوة واحدة تجاههم, وما إن دقت الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر تماما حتى صرخ أحدهم بالكلمة السحرية، التي باتت معروفة في سوريا منذ انطلاق حركة الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الرئيس بشار الأسد في 15 مارس/آذار من العام الماضي، وأقصد بها كلمة "أكبر"، وبسرعة البرق ردد الشبان والشابات وراءه بالجواب المعهود "الله أكبر.. الله أكبر"، وهكذا أخذ الشبان والصبايا وضعية خاصة متلاصقين بعضهم ببعض وبدؤوا بالتحرك".

وكانت أصوات هتافاتهم تتعالى شيئا فشيئا وأكثر كلمة كانت تردد وتسمع واضحة هي "جايينك جايينك"، بالطبع المقصود بها هو الساكن في قصر المهاجرين، أي الرئيس الأسد.

فرغم أن القصر الرئاسي السوري انتقل قبل سنوات رسميا إلى "قصر الشعب" المطل على مدينة دمشق، فإن هناك اعتقادا واسعا في أوساط السوريين بأن أسرة الأسد تفضل البقاء في قصر المهاجرين.

وما يعزز هذه القناعة الإجراءات الأمنية المشددة حوله، إذن هي "مظاهرة في عرين الأسد", ومع ارتفاع الهتافات التي كانت تنطلق من حناجرهم كان الشباب والصبايا يقذفون بقصاصات صغيرة.

الأوراق أو المنشورات كانت تطير في الهواء دون أن يجرؤ أحد من السكان أو المارة على التقاطها, كما قامت فتاتان من المشاركات في المظاهرة، وبحركة سريعة، بسكب مادة مشتعلة على الطريق وإشعالها لإغلاقه في محاولة لإعاقة وصول رجال الأمن

إعاقة الأمن
وأضافت "كنت أرى هذه الأوراق أو المنشورات وهي تطير في الهواء دون أن يجرؤ أحد من السكان أو المارة على التقاطها, كما قامت فتاتان من المشاركات في المظاهرة، وبحركة سريعة، بسكب مادة مشتعلة على الطريق وإشعالها لإغلاقه لإعاقة وصول عناصر الأمن أكبر قدر ممكن".

وذكرت "لقد رأيت الذهول على وجوه أهالي الحي، إذ لم يتوقع أحد قط أن تخرج مظاهرة في وضح النهار وفي مثل هذا المكان خاصة نظرا لموقعه الخاص, فهو لا يبعد عن المكتب الرئاسي أكثر من مائة متر تقريبا".

ورغم خطورة هذه المظاهرة على المشاركين فيها، لم تحمل أي طابع مسلح، إذ لم ألحظ وجود أي من عناصر الجيش السوري الحر، كما جرت العادة في معظم المظاهرات التي باتت تخرج مؤخرا في العاصمة السورية دمشق أيضا، بغرض "حمايتها" كما يقولون.

ومع كل هتاف كان يردده المتظاهرون كان السكان يخرجون إلى الشرفات أكثر فأكثر. وكان بعضهم يرسم ابتسامة التفاؤل المشوبة بالخوف على وجهه، أما النساء فبدأن بالدعاء لهم أملا بأن يعود هؤلاء الشبان والشابات سالمين إلى بيوتهم.

وقالت "كما لاحظت وجود بعض الأشخاص من المارة ومن أصحاب المحلات يتحدثون على الهاتف النقال بشكل هستيري معلنين "بدء الفصل الآخر من المسرحية", انفصلت المظاهرة بعد أن قطعت حوالي مائة متر فقط لا غير, وذلك عندما صرخ أحد الشبان بكلمة السر "فركش", وهي بمثابة تحذير أن رجال الأمن و"الشبيحة" قادمون.

وأشارت الصحفية إلى أنه "بمجرد سماع الكلمة تفرق المتظاهرون واختفوا في حارات حي المهاجرين المتفرعة, عدت سريعا إلى أقرب مكان لانطلاق المظاهرة واختبأت في أحد الأبنية وفي مكان سمح لي بمراقبة وصول عناصر الأمن والشبيحة وكيفية تعاملهم مع مثل هذا الحدث".

وصول الشبيحة
ومع تفرق المتظاهرين لاحظت وصول سيارة وحافلة صغيرة نزل منهما عناصر الأمن والشبيحة مدججين بالسلاح الكامل, كان الارتباك والذهول واضحين على وجوههم، فلم يكن أحد يتوقع أن تصل النيران إلى باب الدار، إلى عقر دار آل الأسد, وقف أهالي الحي يراقبون تصرفات عناصر الأمن المرتبكة.

لقد قام هؤلاء بالتوجه نحو مكان المظاهرة بشكل هستيري وهم يشتمون ويطلقون أسوأ العبارات, كان بعض الشبان يطفئون النار التي أشعلتها الفتاتان ويجمعون أوراق المنشورات الصغيرة التي فرشت الأرض بها للتخلص منها، فما كان منهم إلا أن هاجموهم رافعين السلاح في وجوههم ووجوه المارة وبدؤوا بإطلاق النار بشكل عشوائي, وبالفعل تمكنوا من إصابة أربعة منهم على الأقل، وهرب الآخرون إلى المحلات المجاورة.

ولجأ أحد الشبان المصابين إلى أحد المطاعم القريبة، فقام عناصر الأمن بمداهمة المطعم واعتقال من فيه، كما قاموا باعتقال الجرحى ووضعوهم في الحافلة الصغيرة أيضا.

ولم يكتفوا بذلك، بل نفذوا حملة اعتقالات عشوائية، إذ ألقوا القبض على أي شخص كان يمر من تلك المنطقة, بعد ذلك توافدت أعداد كبيرة من التعزيزات الأمنية، حيث قام العناصر الجدد بالانتشار في الشوارع الفرعية للحي تحسبا لعودة المتظاهرين.

كما قام بعض العناصر بجمع المنشورات التي كانت لا تزال تفرش المكان وكذلك الرصاص الذي أطلقه رجال الأمن على المارة, بعد حوالي ساعة من ذلك عاد الهدوء إلى الحي، وأجبر عناصر الأمن أصحاب المحلات على إعادة فتح محلاتهم بعد أن أغلقوها نتيجة سماع صوت إطلاق الرصاص وكأن شيئا لم يكن.

وقالت سوسن محروس "خرجت من البناء الذي كنت مختبئة فيه طوال الوقت, سمعت أحد عناصر الأمن يتحدث مع واحد من "عيون" الحي ويعاتبه كيف أنه لم يخبرهم بما يحدث أو حتى يتنبأ بحدوثه, كان كلامه مسموعا إلى حد كبير والكلمات التي وصلت إلى مسامعي كانت واضحة "لم نحسب حساب هذه المظاهرة على الإطلاق في هذا المكان, لقد فوجئنا بها، وهذا تطور خطير يجب تداركه".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة