سحر خليفة: لم أتجن على القسام   
الجمعة 27/5/1432 هـ - الموافق 29/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 19:49 (مكة المكرمة)، 16:49 (غرينتش)

الروائية الفلسطينية سحر خليفة (الجزيرة نت)


حاورها في عمان/ توفيق عابد

استطاعت الروائية الفلسطينية سحر خليفة منذ روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" أن تشد إليها القراء، وأن تجد لها مكانا على الساحة الأدبية العربية، وقد ترجمت رواياتها إلى أكثر من 15 لغة، وفازت روايتها "صورة وأيقونة وعهد قديم" بجائزة نجيب محفوظ وروايتها "ربيع حار" بجائزة فرنسية، كما حازت جائزة سيرفانتس للأدب المترجم، ورفضت جائزة سيمون دو بوفوار لأسباب وطنية.

وتعكف خليفة حاليا على كتابة رواية جديدة بعنوان "عن حب آخر" تغوص خلالها في حياة رئيس الحزب القومي السوري الاجتماعي أنطون سعادة.

الجزيرة نت التقت الكاتبة وسألتها عن آخر أعمالها، وعن علاقاتها بالشخصيات الفلسطينية الروائية والسياسية وموقفها من عبد القادر الحسيني والشيخ عز الدين القسام.

في روايتك الأخيرة "حبي الأول" ما الذي أردت قوله بالضبط؟


غلاف رواية حبي الأول (الجزيرة نت)
إنها حكاية حب بعدة وجوه، وجه يظهر في قصة عشق طفولي بدأ في مرحلة الصبا، وعاد ليتجدد مع ذبول العمر، وآخر وطني يتنافس فيه العشاق على الفداء والبطولة.

أردت أن أربط بين الخاص والعام وبين الماضي والحاضر بصفتي روائية سياسية وصاحبة قضية، فقد سجلت مرحلة الشهيد عبد القادر الحسيني وبطولاته المهملة للجيل الجديد، ليعرف أن الزمن لم يبخل في إعطائنا شخصيات عظيمة.

ففي "حبي الأول" تطرقت لثورة حقيقية كان قائدها الحسيني المهندس الكيمياوي الذي ذهب إلى برلين وحصل على دورات، واخترع نوعا من الديناميت بعشرة أضعاف القوة المعتادة في ذلك الوقت، وجاءه البريطانيون لشراء المعادلة الجديدة لكنه رفض.

لقد ترك الحسيني الحياة الأرستقراطية، وظل مطاردا في الجبال، وكان يريد تأسيس وكالة فلسطينية على غرار الوكالة اليهودية وحاصر مائة ألف يهودي حتى وصلوا لأكل الحشائش والزواحف، ولو زودته اللجنة العربية العليا بأسلحة وأموال آنذاك لتغير مجرى التاريخ في فلسطين.

عبد القادر الحسيني القيادي المتعلم لم يكن يأخذ من الثورة بل كان يعطيها من أموال زوجته الغنية، وهي امرأة عظيمة وقفت معه إلى أبعد الحدود حتى بعد استشهاده، والأمر يختلف تماما عما يحصل اليوم، حيث يأخذون أموال الثورة والشعب ويضعونها في جيوبهم.
 
وفي هذا الشأن قال ليّ الناقد المعروف فيصل دراج " شكرا أنك تمكنت من تعريفنا بالحسيني لأننا لم نكن نعرفه.. نحن كنا نعرف عز الدين القسام".

يؤخذ على روايتك "حبي الأول" إنصافك لعبد القادر الحسيني وتجنيك على ثورة عز الدين القسام؟

لو كنت رجلا لكان تقييمي الأدبي فلسطينيا وعربيا أحسن، فمن يكتب عني ناقدات وخصوصا عن الوعي النسوي الذي لا يتعرض له النقاد الرجال الذين حاولوا تحطيمي واتخذوا القضايا النسوية نافذة لمهاجمتي
في هذه الرواية لم تأت سيرة لعز الدين القسام أبدا، لكن في إحدى الندوات في منتدى الرواد الكبار بعمان قيل إن الحسيني ظلم تاريخيا رغم تضحياته، ولم ينصف إطلاقا، فالقسام كان طيبا وشهما ومأذونا شرعيا وخطيبا في المسجد جمع ثمانية عشر مقاتلا فقط ولم يكن يتمتع بأرضية ينطلق منها ويفجر ثورة حقيقية.

أما الحسيني فقد وقفت اللجنة العربية ضده وتصفه بأنه "أرعن" وكان تسعة من بين 12 من قيادة الشعب الفلسطيني في اللجنة العليا هاربين في دمشق أولهم المفتي أمين الحسيني، فكيف تقود ثورة من دمشق  "عبد القادر كان شاعرا".

لم أتجن على القسام إنما أردت وضع النقاط على الحروف برؤية نقدية بدون مجاملة، فالقسام كان بسيطا، فهل يمكن أن يقاتل بالرماح؟ لكنه نظم مظاهرة فجرت فيما بعد ثورة 1936، أما الإضراب العام كان أسوأ قرار، وإذا راجعت مذكرات أكرم زعيتر تكتشف أن الإضراب من أكبر الأخطاء التي ارتكبت فقد "هدموا الاقتصاد الفلسطيني".


قابلت الراحل ياسر عرفات ويبدو أن الحديث دار حول مضمون رواية "الميراث" ماذا حدث في ذلك اللقاء؟

كنا في الداخل نهتف دائما في تظاهراتنا ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولم نكن مطلعين على أوضاع الثورة ونعتبرها مثالية وأبطالا وفدائيين ولما عادوا للضفة وغزة اكتشفتهم، ورأيت مآسيهم وبدأ المرحوم إدوارد سعيد يحكي ويشرح اتفاقية أوسلو ومخاطرها على القضية الفلسطينية.

وكتبت آنذاك رواية "الميراث" عن اتفاقية أوسلو والمجتمع الذي أنجبته فلم أجد سوى النفعية والوصولية، ولما توقفت الانتفاضة الأولى كان لإسرائيل 129 عميلا نقلتهم إلى داخل الخط الأخضر أما بعد أن جاءت السلطة أصبح عدد العملاء بالآلاف. 

ماالذي طلبه منك أبو عمار تحديدا آنذاك؟


لقد زرته المرة الأولى بصحبة صديقة فاستقبلني بملامح غاضبة ونظرة حادة ولم ينطق اسمي، وفي الثانية قال ليّ: يا سحر خليك للعشاء، ولغاية تحضير العشاء أخذني وصديقتي لغرفة صغيرة بالمقاطعة في رام الله، وقال ليّ هل تحبين أن أروي لك قصة حياتي؟.. أحسست أنه يشعر بقرب منيته، ويريد أن أكتب شيئا حول لماذا تورط باتفاقية أوسلو، فوافقته على ذلك.

كنا في الداخل نهتف دائما في تظاهراتنا ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولم نكن مطلعين على أوضاع الثورة ونعتبرها مثالية وأبطالا وفدائيين ولما عادوا للضفة وغزة اكتشفتهم ورأيت مآسيهم
لقد تحدث عرفات عن عذاباته وحلمه ورؤيته بإمكانية تحرير فلسطين أثناء دراسته الهندسة في مصر، وكيف بدأ تنظيم الطلبة، ولم يعاتبني على رواية "الميراث" وإنما بطريقة غير مباشرة حاول تبرئة ذمته مما حدث بعد أوسلو، لكن المهم عندي كروائية هو النتائج، فمن يريد تفجير ثورة عليه أن يترك خلفاء له يتحلون بالنظافة والنقاء الثوري.

هل أكتب قصة حياته كما رواها؟.. لن افعل، وسأكتبها وفق ما أكتشفه في التاريخ، كما تعاملت مع عبد القادر الحسيني، وكما أعمل حاليا مع أنطون سعادة  مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي في لبنان.

كانت لك علاقات مع روائيين وشعراء فلسطينيين منهم إميل حبيبي وهشام شرابي، ما مدى تأثيرهم عليك؟

بصراحة تعرفت على الروائي الفلسطيني إميل حبيبي أثناء شجار، فعندما أصدرت رواية "الصبار" استهزأ بي في بيتي حيث أعيش بشكل متقشف مع أن والدي غني، لكن بسبب ظروفي العائلية وزواجي التعسفي أردت أن أثبت بأنني أستطيع العيش دون مساعدة من والدي، فاستأجرت غرفة صغيرة في بيت الدكتورة حنان عشراوي.

وجاء إميل لجامعة بير زيت وتحدثت معه فوجد كلامي مرتبا وجميلا فدعوته ومحمد البطراوي على العشاء في غرفتي المتواضعة، فقدمت له زيتا ولبنا وبيضا مسلوقا فلم يعجبه ذلك، وحصلت بيننا مشاجرة ضربته خلالها ببيضة مسلوقة على جبينه.

لم تنقطع علاقتنا، واستمرت الصداقة حتى وفاته، فذات مرة كتب ليّ رسالة لوم وعتاب حول رؤيتي لأوضاع الشعب الفلسطيني، ورددت عليه بأن الجسد الضعيف لا يستطيع مقاومة المرض، وإذا كنا نريد مقاومة علينا أولا أن نقاوم ذاتنا حتى نصمد وننتصر.

أما هشام شرابي فكان موافقا على منهاجي وقد تأثرت بمؤلفه "في نقد المجتمع العربي" والتقت تجربتي الشخصية مع فكره كمنظر، وكلما قرأ لي كتابا يرسل ليّ وجهة نظره من خلال زميله حليم بركات في جامعة جورج تاون الأميركية، وعقب وفاة زوجته حدث تقارب عاطفي رغم تفاوت السن لم ينجح وبقينا أصدقاء حتى وفاته. 

وصف الناقد الفلسطيني وليد أبو بكر روايتك "صورة وأيقونة" بأنها كتابة سياحية عن القدس، مارأيك في ذلك؟

أقول إنه مزاجي ومعروف عنه أنه يرفع من شأن كاتب أو كاتبة دون المستوى أحيانا، ويتغاضى عن أعمال ممتازة ويهشمها. هو ليس ناقدا بل باحث غير متخصص.

وقد تضايقت ليس لأنه ذم الرواية فهذه وجهة نظره بل لأنني وإياه ضمن الوفد المشارك في الأسبوع الثقافي الفلسطيني بعمان وحاولت تقديم شيء جديد لتجسيد جماليات القدس والمفروض أن يدعمني ويساندني، فهي الرواية التي تنفرد بتفاصيل عن القدس.

وقد اعتبرت ما قاله خيانة وطنية، وما زلت أقاطعه ونسيت إعلامه بأن الرواية حصلت على جائزة نجيب محفوظ، من المفروض أن نتعاون معا لنبرز صورة فلسطين والأدب الفلسطيني بصورة راقية.

بررت رفضك لجائزة سيمون دو بوفوار بأن الإسرائيلية التي تقاسمك الجائزة غير معروفة، هل لو كانت معروفة لكان موقفك مغايرا؟

كتبت رواية "الميراث" عن اتفاقية أوسلو والمجتمع الذي أنتجته فلم أجد سوى النفعية والوصولية، ولما توقفت الانتفاضة الأولى كان لإسرائيل 129 عميلا نقلتهم إلى داخل الخط الأخضر ولما حضرت السلطة أصبح عدد العملاء بالآلاف
أنا كنت رافضة للفكرة من أساسها، لأن الجائزة كانت ليّ، والمثقفون الفرنسيون يعرفون ذلك، وخلال المحادثة مع رئيسة اللجنة المنظمة قالت بأنني حصلت على الجائزة بمباركة أعضاء اللجنة بصفتي كاتبة وفاعلة في الحركة النسوية، فقد أسست ثلاثة مراكز نسائية ولذلك اعتبروا أن الجائزة تليق بي.

لكن في آخر محادثة هاتفية سألتني عن رأيي بمشاركة إسرائيلية فرفضت، ولكن لو كانت المحامية ليئا تسيمل أو زميلتها  فليتسيا لانجر، أو ممن هم على شاكلتهما لشرفني ذلك، ووقفت وصافحتهما وقبلتهما على مسرح عالمي لأنهما دافعتا عن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين أمام المحاكم العسكرية، ووقفتا ضد عنجهية إسرائيل.
 
لماذا يطلق عليك "كارهة الرجال"؟


لأنني طرحت بقوة فكرة أن المرأة مساوية للرجل، وأن اضطهاده التاريخي من المفروض مراجعته، ولن تقوم قائمة هذه الأمة ونصفها مسحوق تماما، فالمجتمع الذي لا يفقد دور نصفه لا يمكن أن يكون فاعلا.

لقد علقوا ليّ مشنقة وخاصة من يطلقون على أنفسهم بالتقدميين، وكانوا يعتبرون أفكاري مختلة، ووصفني أحدهم بأنني حولاء، وأعبر عن إحباطاتي الذاتية وأدعي أن كل النساء مضطهدات كما اضطهدت أدبيا.

أحد النقاد الكبار قال: لولا البعد الوطني في رواية "عباد الشمس" لنصحت القراء بعدم قراءة هذه الرواية المنحرفة للأبعاد النسوية التي تتصدرها.

وأود القول إنني لو كنت رجلا لكان تقييمي الأدبي فلسطينيا وعربيا أحسن،  فمن يكتب عني ناقدات وخصوصا عن الوعي النسوي الذي لا يتعرض له النقاد الرجال الذين حاولوا تحطيمي واتخذوا القضايا النسوية نافذة لمهاجمتي.

 فأنا أول روائية طرحت في المرحلة الحديثة قضية المرأة بهذا العنف، وحوكمت عليها نقديا بقسوة وحتى النساء لم يتجرأن على الحديث معي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة