الولايات المتحدة وليبيا.. من علاقات متقلبة إلى تقارب   
السبت 1428/6/29 هـ - الموافق 14/7/2007 م (آخر تحديث) الساعة 2:34 (مكة المكرمة)، 23:34 (غرينتش)
جون نيغروبونتي زار طرابلس لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين (الأوروبية-أرشيف)

سيدي أحمد ولد سالم-الجزيرة نت 
 
أعلنت الولايات المتحدة عن رغبتها في رفع تمثيلها الدبلوماسي في الجماهيرية الليبية إلى أعلى مستوى بتعيين سفير لواشنطن لدى دولة ظلت تعاديها مدة ربع قرن.
 
وبقراءة سريعة لتطور علاقة البلدين توحي أنهما عرفا تنافرا شديدا واتهامات متبادلة ما لبثت أن تحولت إلى تقارب دبلوماسي ونشاط اقتصادي، غير أن هنالك أمورا ونقاط اختلاف لم يقض عليها الرضا الأميركي عن ليبيا ولا تعاطي الدبلوماسية الليبية الخاص في علاقتها بواشنطن.
 
عداء الماضي
كان أول مظهر لتوتر العلاقة بين البلدين إجلاء القواعد الأميركية من الأراضي الليبية يوم 11 يونيو/حزيران 1970 فضلا عن تأميم شركات النفط صيف عام 1973.
 
وقد ركزت الجماهيرية في سياساتها الخارجية على دعم ومساعدة "حركات التحرر" بالعالم وهو ما اعتبرته واشنطن تهديداً لمصالحها. ففي ديسمبر/كانون الأول 1972 حين سحبت الولايات المتحدة موظفي سفارتها بطرابلس وقررت إغلاقها بعد مهاجمة جماهير شعبية للسفارة وإشعال النار فيها. غير أن السفارة الليبية بواشنطن لم تغلق إلا في مايو/أيار 1981 في عهد الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان.
 
وقد زادت أميركا درجة التوتر حين حلقت إحدى طائراتها بالسواحل الليبية أثناء مناورات أجراها الأسطول السادس يوم 30 مايو/أيار 1973. وقد تكررت مرارا نهاية السبعينيات وخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات المناورات العسكرية الأميركية قبالة الشواطئ الليبية وخاصة في خليج سرت. ولم تسلم واشنطن لطرابلس عام 1974 ثماني طائرات رغم أن ليبيا دفعت ثمنها البالغ 60 مليون دولار منذ عام 1972.
 
وما إن دخل عام 1977 حتى أدرجت وزارة الدفاع الأميركية الجماهيرية على قائمة أعداء الولايات المتحدة. واتهمت ليبيا واشنطن يوم 27 يونيو/حزيران 1980 بمحاولة إسقاط طائرة كانت تقل الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي.
 
تفجير لوكربي كان القشة التي قصمت ظهر العلاقات بين واشنطن وطرابلس (الفرنسية-ارشيف)
وفي مارس/آذار 1981 أصدرت واشنطن قرارا يحظر استيراد النفط الخام الليبي وإخضاع الصادرات الأميركية إلى الجماهيرية لنظام التراخيص، ومنع إصدار تراخيص لمواد ومعدات إستراتيجية، وكذلك التقنية المتعلقة بصناعة النفط والغاز الطبيعي. وكان من أبرز لحظات التوتر بين البلدين قيام الولايات المتحدة في أبريل/نيسان 1986 بقصف مدينتي طرابلس وبنغازي.
 
وخلال عقد الثمانينيات وجهت أميركا إلى الجماهيرية تهمة دعم منظمات فلسطينية "متطرفة" (تنظيم أبو نضال) والجيش الجمهوري الأيرلندي. كما اتهمتها بتفجير قنبلة في ملهى لا بيل في برلين في أبريل/ نيسان 1986 الذي يرتاده جنود مشاة البحرية الأميركية، وأسفر ذلك عن مقتل جنديين وامرأة أميركية وإصابة أكثر من 230 آخرين.
 
ويعتبر الـ21 ديسمبر/ كانون الأول 1988 حاسما في مجال اتهام ليبيا، إذ انفجرت طائرة بان أميركان رقم 103 فوق بلدة لوكربي بأسكتلندا بعد 38 دقيقة من إقلاعها من مطار هيثرو بلندن وكانت متجهة إلى نيويورك، فمات ركابها البالغ عددهم 259 شخصا ومات معهم 11 شخصا من سكان لوكربي. فوقفت الولايات المتحدة وبريطانيا صفا وجندتا مجلس الأمن الدولي لعزل ليبيا وحصارها اقتصاديا.
 
وقد أسقطت المقاتلات الأميركية في الرابع من يناير/كانون الثاني 1989 طائرتين ليبيتين شمال شرق مدينة درنة. في حين رفعت واشنطن ولندن قضية لوكربي أمام المحاكم الدولية حتى أجبرتا الجماهيرية في الخامس من أبريل/نيسان 1999 على تسليم اثنين من مواطنيها هما عبد الباسط المقرحي والأمين خليفة فحيمة إلى محكمة أسكتلندية للاشتباه في علاقتهما بحادث تفجير طائرة بان أميركان.
 
تحول نوعي
ظهرت بوادر التفاهم بين واشنطن وطرابلس تلوح في الأفق في أكتوبر/تشرين الأول 2001، حين أعلن عن لقاءات رسمية بين أميركا وبريطانيا مع المسؤولين الليبيين لتحديد المطلوب من طرابلس حتى يتسنى رفع العقوبات التي فرضها مجلس الأمن عليها بتهمة دعمها للإرهاب.
 
وجاءت تسوية قضية لوكربي منتصف أغسطس /آب 2003 بين الجماهيرية من جهة وأميركا وبريطانيا من جهة ثانية، لتكرس الانسجام الليبي والتآلف مع الدول الغربية. ودفعت ليبيا بموجب هذه التسوية مبلغ 2.7 مليار دولار لضحايا تفجير لوكربي.
 
ومنذ ذلك الوقت تحركت علاقات البلدين باتجاه التقارب، فقرر مجلس الأمن الدولي رفع العقوبات المفروضة على ليبيا يوم 12 سبتمبر/أيلول 2003. غير أن أميركا رغم تمريرها للقرار فإنها لم تعتبره ملزما لها.
 
وجاء تخلي الجماهيرية عن برنامج أسلحة الدمار الشامل يوم 19 ديسمبر/كانون الأول 2003 ليدفع بالعلاقات بين واشنطن وطرابلس إلى مزيد من الدفء. وقد بادرت واشنطن في فبراير/شباط 2004 إلى فتح قسم للمصالح الأميركية في طرابلس، وفي يونيو/حزيران من نفس السنة تحول قسم المصالح الأميركية إلى مكتب اتصال.
 
عبد الباسط المقرحي أحد المتهمين بتفجير لوكربي (الفرنسية)
وظل مسلسل التقارب متواصلا إذ قررت أميركا رفع العقوبات الاقتصادية عن الجماهيرية في سبتمبر/أيلول 2004. وسمح عام 2005 للشركات الأميركية بالتعامل التجاري مع ليبيا. وجاء قرار واشنطن شطب ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وتقرر رفع تمثيلها في طرابلس لمستوى السفارة كأهم قرار يجسد تقارب البلدين يوم 15 مايو/أيار 2006.
 
هل زالت كل العراقيل؟
إن تحسن العلاقة بين طرابلس وواشنطن يعني لأول وهلة تحريك مصالح اقتصادية مفيدة للبلدين. فاحتياطي النفط المؤكد في الجماهيرية يقدر بحوالي 40 مليار برميل واحتياطي الغاز الطبيعي المؤكد يصل إلى أكثر من 15 تريليون متر مكعب. وليبيا تعد ثاني دولة منتجة للنفط في أفريقيا بعد نيجيريا، ولها احتياطي للغاز من أكبر احتياطات القارة السمراء.
 
غير أن التقارب الدبلوماسي وما قد ينجر عنه من علاقات اقتصادية مثمرة لم يؤثر بعد على بعض الأمور التي ما زالت تفرق بين طرابلس وواشنطن.
فالعقيد القذافي يقف بشدة أمام المساعي الأميركية لإقامة قاعدة عسكرية في المغرب العربي لحماية دول جنوب المتوسط من خطر "تنظيم القاعدة" الذي تنامي في إفريقيا عامة، وفي المغرب العربي خاصة مع هذه المساعي التي تجد آذانا صاغية من قبل دول بالمنطقة.
 
كما أن موقف طرابلس من القضايا الأفريقية، وعلى رأسها أزمة دارفور، والمتمثلة في حلها عبر الاتحاد الأفريقي لا يتناغم مع الموقف الأميركي الذي يسعى إلى إعطاء الأمم المتحدة دورا في هذا النزاع السوداني السوداني.
 
وتوجد في دول الغرب عموما والولايات المتحدة بشكل خاص معارضة ليبية قد يطرح وجودها وعملها بظلاله على مستقبل علاقة البلدين. مع أن الباحث الليبي بمركز المنظور السياسي للدراسات ببريطانيا السنوسي بسيكري يرى -في تصريح للجزيرة نت- أن الدعوة الأميركية لإقامة الديمقراطية قد لا تؤثر على مستقبل علاقتها بالجماهيرية.
 
فواشنطن قد تخلت -كما يقول بسيكري- عن المطلب الديمقراطي وعن ضرورة إزاحة الأنظمة الاستبدادية، وعادت إلى البحث عن مصالحها والتحالف مع من يضمن لها تلك المصالح.
 
وقد سألت الجزيرة نت الأستاذ المحاضر للعلوم السياسية بجامعة قاريونس ببنغازي بالجماهيرية محمد زاهي المغيربي: هل انتهى الخلاف الليبي الأميركي فقال "إن القضية بين أميركا وليبيا ليست في وجود خلاف بل في طريقة إدارة هذا الخلاف. فإذا كانت علاقة الدولتين قد مرت بمنعرجات متعددة فإن ما يحدث الآن معالجة الخلاف وتسييره".
 
وأضاف المغيربي أن "هذا هو الطبيعي. فالعلاقة بين الدول قائمة على التفاعل وتعدد زوايا التعامل وتنوع المواقف. والمشكلة ليس في الخلاف في حد ذاته بل التعامل مع الخلاف".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة