الممرضات البلغاريات يضعن النظام الليبي في مأزق حرج   
الأربعاء 1426/10/14 هـ - الموافق 16/11/2005 م (آخر تحديث) الساعة 14:30 (مكة المكرمة)، 11:30 (غرينتش)

إطلاق سراح المتهمين سيحرج ليبيا أمام شعبها (رويترز)

رانيا الزعبي

يرى المراقبون أن قرار المحكمة العليا في ليبيا إرجاء النظر بالاستئناف الذي تقدم به خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني حكم عليهم بالإعدام بعد إدانتهم بنقل فيروس الإيدز إلى أكثر من 400 طفل ليبي، إنما يعكس بواقع الحال صعوبة الموقف الذي يواجهه النظام الليبي، والذي يتعرض لضغوط دولية تطالبه بإطلاق سراح المدانين، وأخرى داخلية تتمسك بتنفيذ قرار القضاء.

ولعل ما يعكس حالة الإرباك التي تمر بها الحكومة الليبية هو أن المحكمة العليا -التي سبق أن أجلت النطق بالحكم قبل خمسة شهور أيضا- بررت سبب الإرجاء هذه المرة بالرغبة في إتاحة المزيد من الوقت لهيئة الدفاع لتنظيم دفاعها، لكن المفارقة هي أن رئيس هيئة الدفاع استغرب قرار الإرجاء، وأشار إلى أنه كان يتعين على المحكمة أن تؤكد الحكم، أو تأمر بإعادة المحاكمة.

فيما أكد رئيس رابطة الأطفال المحقونين إدريس الأغا أن المحكمة أرجأت جلستها أمس بناء على طلب محامي إدارة قضايا الدولة الذي يمثل الحكومة الليبية بالقضية، والمعني بمناقشة قيمة التعويضات التي ستدفعها الحكومة للأهالي.

مفاوضات
واستبعد الأغا في تصريحات للجزيرة نت أن يكون قرار الإرجاء ناجم عن الضغوطات السياسية الدولية المتزايدة على ليبيا، واعتبر أن القرار النهائي بهذه القضية هو لأهالي الأطفال وليس للحكومة أو النظام.

معظم الأهالي رفضوا التعويضات وأصروا على الإعدام (الفرنسية)

لكن الأغا لم ينكر أن الدولة عرضت على الأهالي وبشكل "مهذب جدا" القبول بمبدأ التفاوض مع البلغار أو الأوروبيين أو الأميركيين، للتوصل إلى حل نهائي لهذه القضية، كأن يوافق الأهالي على إسقاط عقوبة الإعدام مقابل حصولهم على تعويضات، ومعالجة الأطفال المصابين بأرقى مشافي العالم.

وأكد الأغا في حديثه مع الجزيرة نت أن أكثر من ثلثي أسر الأطفال لا زالت ترفض مبدأ التفاوض، ويصرون على تطبيق حكم الإعدام بالمدانين الستة، غير أنه نوه إلى أن مواقفهم هذه قد تتغير، قبل حلول موعد الجلسة التي قررتها المحكمة في نهاية يناير/ كانون الثاني القادم.

وحول الأسباب التي قد تدفع الأهالي لتغيير موقفهم، أشار الأغا إلى أن الدولة الليبية قد تطرح خلال الأيام القادمة قرارا بإلغاء عقوبة الإعدام نهائيا بالبلاد.

لكن الناطق باسم رابطة الأطفال المحقونين عمر المسماري رفض بشدة مبدأ التفاوض، مشيرا إلى ثقة الأهالي بأن المحكمة ستقر بجلستها القادمة قرار الحكم بالإعدام على الممرضات.

وقال المسماري في تصريحات للجزيرة نت إن "القرار النهائي هو لأهالي الأطفال، وليس لأي طرف آخر"، مشددا على أن الأهالي لن يقبلوا بمبدأ التفاوض قبل تأكيد المحكمة لحكم الإعدام.

وقال المسماري إنه لا يتوقع وبعد مضي 8 سنوات على القضية وهي منظورة أمام المحاكم أن تأتي الدولة الآن، وتصدر قرارا بإلغاء عقوبة الإعدام، مشيرا إلى أن هذه القضية أصبحت تشكل قضية رأي عام، معربا عن قناعته بأن أي مفاجآت بهذه القضية من شأنها أن تخذل المواطنين ولا يمكن أن تمر بسهولة.

الغرب لا يرضي من ليبيا أقل من إطلاق سراح الممرضات (الفرنسية)

ضغوطات وتنازلات
النظام الليبي الذي نجح في السنوات الأخيرة من الاقتراب أكثر من الغرب من خلال تقديم تنازلات عن ثوابت عدة، وجد نفسه هذه المرة أمام معادلة صعبة، مطالب فيها بالتوفيق بين استقلالية القضاء، وعدم التفريط بحقوق مواطنيه، وبين رغبة الأصدقاء الدوليين الجدد بإلغاء قرار قضائي.

وفي سعيه هذا اقترحت الحكومة الليبية -بدون موافقة شعبية- تخفيف حكم الإعدام إلى السجن المؤبد مقابل دفع تعويضات لأهالي الضحايا، لكن الأميركيين والأوروبيين اعتبروا هذا التنازل غير كاف، وأصروا على إطلاق سراح الممرضات.

بعض المراقبين لا يستبعدون أن تبدأ السلطات الليبية بالنظر قريبا بقرار إلغاء عقوبة الإعدام، لعلها تجد في ذلك مخرجا جزئيا للأزمة أمام شعبها، لكن قد يكون عليها -حسب المراقبين- إيجاد مخارج عدة لإقناع الليبيين إذا اختارت أن تنصاع للضغوط الغربية.

على كل حال لن تكون هذه التنازلات هي الأولى بهذه القضية، فليبيا سبق لها أن تراجعت عن اتهاماتها للمخابرات الأميركية والإسرائيلية بالتورط في حقن الأطفال بفيروس الإيدز، ولم يتردد سيف الإسلام القذافي نجل الزعيم الليبي في القول إن المدانين أجبروا تحت الضغوط على الاعتراف بذلك.
_______________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة