مهرجان الضحك بمراكش.. هل هو وجه جديد للحلقة؟   
الأحد 1435/8/18 هـ - الموافق 15/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:09 (مكة المكرمة)، 12:09 (غرينتش)

إبراهيم الحجري-مراكش

تختتم اليوم فقرات المهرجان الدولي للضحك بمراكش في نسخته الرابعة، مواصلا نجاحاته بشكل مطرد من دورة إلى أخرى، توازيا مع تشكيك بعض المتابعين في جدواه، ومقاطعة الحكواتيين التقليديين (الحلايقية) لفعالياته.

ولم تختر اللجنة المنظمة مراكش فضاء لهذا المهرجان بشكل اعتباطي، بل الأمر مفكر فيه بحكم أن سكان المدينة الحمراء معروفون بخفة دمهم، وإتقانهم لفن النكتة والإضحاك والدعابة وما إلى ذلك، كما اشتهرت منذ زمن بعيد بساحة جامع الفنا حيث تعرض وصلات ترفيهية مختلفة للزوار الذين يحجون إليها من كافة المناطق ومن كل التشكيلات الاجتماعية، حتى إن المدينة صنفت تراثا عالميا، وهذا يعني أن اللجنة المنظمة فكرت في أن يكون هذا المهرجان استمرارا لفن الحلقة الذي يتراجع يوما عن يوم مخلفا فراغا فلكلوريا كبيرا في المدينة.

جانب من فعاليات مهرجان الضحك في دورته الرابعة 2014 (الجزيرة)

رهانات كوميدية
وتخلل البرنامج المسطر للمهرجان فقرات متنوعة يغلب عليها الطابع الفكاهي، إذ راهنت هذه الدورة على التنويع في المواد والفعاليات الفكاهية، وإن كان يجمعها البعد الكوميدي الساعي إلى إدخال البهجة إلى قلوب الجماهير من المراكشيين والوافدين على مدينة البهجة، إذ شهد البرنامج تقديم 15 حفلا نشّطه أكثر من ستين فنانا بارزا من نجوم الكوميديا من أوروبا والمغرب، مرتقيا بالحاضرين إلى عالم من الضحك والمتعة ليشكل صلة وصل بين مختلف الفنانين الكوميديين في العالم، مثلما يخلق أفقا للكوميديين الشباب من أجل إبراز قدراتهم وكفاءاتهم الكوميدية، والسعي إلى تبادل الخبرات والتجارب في هذا المجال.

وتوزعت وصلات الفكاهية التي اقترحها المهرجان على عدد من الفضاءات الشهيرة بمراكش مثل دار الثقافة، وقصر البديع والمسرح الملكي، في حين نظمت مختلف الأنشطة الموازية للمهرجان بساحة جامع الفنا الشهيرة.

ومن جملة الفنانين الذين نشّطوا برنامج هذا المهرجان إيكو وبابتيستلو كابرلان، ومجموعة جمال كوميدي كلوب، والفكاهي جيف باناكلوك، ويوسف قسييب، إلى جانب عدد من الكوميديين المغاربة والأجانب مثل كاد مراد، وباتريك تيمسيت، وفرانك دوبوسك، وماكس بودليل، ومالك بنطلحة، وأرنولد دوكري، وجمال دبوز وحمزة الفيلالي... كما كانت المواهب الصاعدة على موعد لأخذ دروس في الماستر كلاس في هذا الفن الأقرب إلى الشعوب، وأدارها أوسكار سيسكو الذي يسعى إلى تكوين مواهب في فن الفكاهة قادرة على أن تشكل مستقبل الكوميديا في العالم.

وقال الباحث في فن الحلقة عزيز العرباوي للجزيرة نت إن إمكانية أن يكون مهرجان الضحك بمراكش استمرارية لفن الحلقة أمر مستبعد، بحكم أنه مهرجان محدود في المكان والزمان، في حين أن الحلقة ثقافة متجذرة في المجتمع المغربي وتستمد أصلها وتفوقها الشعبي من جمهورها البسيط والعريض والمتعدد الجامع بين كل فئات المجتمع ومستوياته، أما المهرجان فيخص بعض الفنانين والكوميديين المعروفين على الصعيد الوطني والدولي، في حين أن "الحلايقي" بعيد كل البعد عن هذا التوصيف، بل هو مغيب بشكل واضح، "ولذلك لا يمكننا القول إن هذا المهرجان قد يكون استمرارية لفن الحلقة، بل بالعكس فالمهرجان في حاجة إلى الحلقة وفنانيها وروادها من أجل ضمان نجاحه".

العرباوي: مهرجان الضحك ليس استمرارية لفن الحلقة التراثي (الجزيرة)

رسائل مشفرة
وأثير سجال كبير بشأن جدوى تنظيم مهرجان خاص بالسخرية والتهكم في ظل منعطفات حساسة تحصل في العالم العربي.

فلا أحد ينكر وظيفة الضحك في التخفيف من التوتر والروتين والضغط اليومي على المواطن خاصة في أجواء الاختناق التي يعيشها جراء وتيرة تسارع التغييرات، وغياب الاطمئنان والاستقرار والتوازن النفسي وكثرة الإحباطات، لا سيما في المدن التي لها تاريخ عريق في فلكلور الفرجة، ولها باع كبير في الانفتاح على الأجنبي الذي يعشق فيها التعدد والانفتاح والتلوين الفلكلوري والثقافي.

لكن الباحث السوسيولوجي محمد مستقيم يقول للجزيرة نت "عندما صرح الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي بأن السخرية هي الملاذ الأخير لشعب متواضع لا يملك سوى هذا السلاح لنقد الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فهو كان يعتبر أن هذا الأسلوب يدخل في باب التعبير الحر عن ذلك الواقع، وذلك للرفع من مستوى الوعي عند الجماهير المغلوبة على أمرها".

لكن -يضيف مستقيم- نرى الأمر اليوم على عكس ذلك حيث تستغل الفئات المهيمنة، ومن يدور في فلكها، السخرية لإقامة مهرجانات كأسلوب لإلهاء الناس عن أحوالهم المعيشية القاسية، وعدم الالتفات إلى ما يجري في المجتمعات العربية من تشتت وحروب طائفية وتدخل الاستعمار في شؤون العرب والمسلمين، "لذلك ينبغي إعادة النظر في التعامل مع هذه المهرجانات، خاصة على المستوى الإعلامي الذي أصبح يلعب الدور الكبير في الترويج والإشهار، وفي الوقت نفسه توعية الناس بشأن حقيقة هذه الظاهرة".

وعلى عكس ذلك، لعبت الحلقة دورا كبيرا عبر التاريخ في القيام بالوظيفتين معا: الترفيه الذي ينبثق عن ثقافة الشعب، وتوعية الجماهير بواقعها وبما يجب فعله تجاه المستجدات والمنعطفات التاريخية، خاصة في فترة الاستعمار، والتهديد الذي مارسته فرنسا على الهوية الثقافية المحلية. لكن مع تطور وسائل الترفيه والثورة الإعلامية التي أحدثتها الطفرة الرقمية، وجد "الحلايقية" أنفسهم معزولين في أفق ضيق وبدأ دورهم ينحسر بالتدريج إلا من بعض الأصوات التي ما زالت تتحدى التهميش والظروف المعيشية الصعبة.

ويقول الحلايقي المسيح متحدثا عن التسويف الذي شمل فناني الحلقة من طرف اللجنة المنظمة لمهرجان الضحك "لقد رفضنا المشاركة في المهرجان تفاديا للخدعة التي تعرضنا لها سلفاً، حيث تمّ تقديم تعويضات مهينة لفناني الحلقة بعد استغلالنا في التنشيط والفرجة.. لذلك قررنا المقاطعة والاستمرار في عملنا اليومي بالساحة، ملتزمين أمام جمهورنا الذي يقدرنا ويحترمنا، خاصة أننا لسنا محتاجين للشهرة والظهور في الشاشات، يكفينا فضاؤنا الذي ألفناه، وصار جزءا من عالمنا".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة