"الحمد" في مواجهة الحرب والنزوح   
الثلاثاء 1433/3/15 هـ - الموافق 7/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 22:16 (مكة المكرمة)، 19:16 (غرينتش)

 الحمد ولد أمين وهو يوقف قافلته أمام شرطة فصالة

أمين محمد-فصالة/الحدود الموريتانية المالية

يتهادى النازح المالي الشيخ السبعيني الحمد ولد أمين -مع تسعة من عياله وأسرة من جيرانه- إلى مركز شرطة فصالة الحدودية مع مالي، بعد أربعة أيام قضاها في الشقاء والعذاب هربا من الموت والهلاك، لكن الموت الذي فر منه لقي بعضه في الطريق حين تسلل فجأة لأحد أفراد الركب فأبقاه بحسرة وألم في باطن الطريق.

استطاع قائد القافلة "الحمد" أن ينجو بنفسه وأهله من "بطش" الجيش المالي، ومع ذلك لم يتمكن من إنقاذ ابنته الشابة الناجمة بنت الحمد (21 عاما) من الموت بعد أن قرر اصطحابها وهي في حالة شديدة من المرض والألم لم يستطع معها جسمها النحيل التحمل فأسلمت النفس لبارئها، وتركت بقية الرفقة تواصل الرحلة وفي النفوس غصة من الفجيعة، وفي العيون خوف وترقب من موت آخر ينتظر.

الحمد وإلى جانبه بعض أفراد أسرته ينتظرون دورهم في التسجيل عند الشرطة
تكرار التجربة

ليست هذه هي المرة الأولى التي يدخل فيها الحمد مدينة فصالة، فقبل عشرين عاما وتحديدا في عام 1991 دخلها لاجئا فارا من الاقتتال والحرب التي دارت رحاها بين مقاتلي الطوارق والجيش المالي، وفي كلا النزوحين كان الموت وما يتقدمه من جوع وعطش وخوف وقلق يترصد الحمد وعائلته وجيرانه.

فوجئت عائلة الحمد قبل أيام بأزيز الرصاص وقوافل المقاتلين تجوب المنطقة القريبة من بلدة "لكل" حذو مدينة "نمبالا" (60 كلم) إلى الشرق من الحدود الموريتانية المالية.

ولأن الشيخ خبر الحرب وعرف -كما يقول- كيف تبدأ باشتباكات متقطعة هنا وهناك وتنتهي إلى مجازر ومجاعات وتشريد هنا وهناك، فقد قرر الفرار وأهله بعيدا، لكنه لم يجد مركبا يقله إلا العربات التي تجرها الحمير بعد أن هجرت سيارات الأجرة منطقة الاقتتال.

وصل الحمد والجزء الأكبر من عائلته إلى مدينة فصالة الموريتانية بعد أيام من رحلة سير محفوفة بالمخاطر، ورغم أن الرحلة الشاقة قادته إلى فراق للوطن قد يطول مداه، وفراق لفلذة الكبد دائم ونهائي، فإنه مع ذلك تنفس الصعداء وبدت على وجهه المنهك علامات الارتياح والرضا.

جوع وعطش
ويقول الحمد للجزيرة نت إنه كاد يفقد حياته وأهله بسبب الجوع والعطش خلال أيام السفر الأربعة، مشيرا إلى أنه وبقية النازحين لم يحملوا معهم من الزاد إلا بعض قطع البسكويت خصصت بالكامل للأطفال الصغار، أما الكبار فكان عليهم أن يتحملوا مشقة السفر، وينتظروا لحظة الفرج.

ولشدة الخوف الذي تغذيه تجارب سابقة، يضيف الحمد أنه كان يتجنب القرى والطرق الرئيسية التي يحتمل أن يسلكها الجيش المالي في تعقب الفارين، ويتجه نحو المداخل والممرات الضيقة، وهو ما زاد المشقة وضاعف المعاناة.

ويقول الشيخ إنه لا يأبه لما ترك من مواش في بلدته "لكل" ولما خلف من متاع البيت، فحياة البشر -في نظره- أهم وأولى، وإذا أحس الإنسان أن حياته في خطر فلن يسأل حينها لا عن المال ولا عن الأرض ولا عن أي مصالح أو ارتباطات أخرى، حسب قوله.

ورغم أن الحمد عربي من قبيلة "لمهار" وليس طارقيا فإنه يحس مع ذلك -كما هو الحال بالنسبة لغالبية العرب الماليين- أنهم معنيون بهذه الحرب، وسيدفعون عاجلا ثمنها الباهظ من أرواحهم وأعراضهم وأموالهم بالنظر إلى تجارب سابقة.

الحمد ولد أمين:
في حرب 1991 سعت الحكومة المالية إلى طمأنة السكان العرب وتحييدهم عن الصراع، ولكن سرعان ما اتجهت الأمور نحو تصفيات ذات طابع عرقي شملت العرب والطوارق على حد سواء
تصفية عرقية

ويؤكد الرجل -الذي ترسم الأخاديد في وجهه قصة معاناته الطويلة- أنه في حرب عام 1991 التي خاضها الجيش المالي بعد اندلاع ثورة الطوارق بقيادة إياد أغ غالي سعت الحكومة المالية إلى طمأنة السكان العرب وتحييدهم عن الصراع، ولكن سرعان ما اتجهت الأمور نحو تصفيات ذات طابع عرقي شملت العرب والطوارق على حد سواء، كما يقول هؤلاء.

ولا تزال ذكريات تلك "التصفيات" و"المجازر" حية في ذهن الحمد، ويتذكر كيف أنه وكثيرا من العرب مثله لم يفكر في النزوح إلا بعد استفحال القتل ووصول الموت إلى أسرته الضيقة حين قتل ابنه أحمد، وقضى عدد من أقاربه، قبل أن يولي وجهه صوب مدينة فصالة التي وصلها في ذلك العام أكثر من 35 ألف لاجئ من مالي، حسب المسؤولين الموريتانيين.

ويؤكد الحمد ولد أمين أنه لن يُغدر مرة أخرى، ولن يلدغ من الجحر ذاته مرتين، فقد استبق هذه المرة تطور الأحداث على الأرض، بل هو لا ينوي أن يعود مرة أخرى إلى مالي، فقد تعب من حياة الترحال، وفقد ولدين غاليين على قلبه، وذاق من المآسي والمرارات المتراكمة ما يجعله غير قادر على تحمل المزيد، خصوصا بعد أن اشتعل منه الرأس شيبا وبلغ من الكبر عتيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة