ثقافة الطفل باليمن.. غياب حتى إشعار آخر   
الأربعاء 10/3/1436 هـ - الموافق 31/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:58 (مكة المكرمة)، 13:58 (غرينتش)

عبد الغني المقرمي-صنعاء

تعيش ثقافة الطفل في اليمن وضعا بائسا فرضه واقع مثقل بالنزاعات السياسية والطائفية، وتحتل فيه الثقافة عموما مرتبة متأخرة في قائمة الاهتمامات.

ولعل المفارقة الكبرى في هذا الشأن الحديث عن ثقافة الطفل في واقع لا يرى بأسا في قهر الطفولة، وسلخها عن براءتها ونقائها عبر تجنيد آلاف الأطفال، والزج بهم في حروب ومنازعات تستخدمهم أدوات للقتل، ووقودا لنار موقدة يتسع مداها يوما بعد آخر.

مسؤولون يرجعون غياب دعم ثقافة الطفل لقلة الإمكانيات (الجزيرة)

طفولة معذبة
تؤكد وكيلة وزارة الثقافة اليمنية لشؤون المرأة والطفل الأستاذة نجيبة حداد أن الطفولة في اليمن "طفولة معذبة"، وأن ثقافة الطفل قاصرة ومحرومة من كل أشكال الرعاية، سواء من الجهات الرسمية أو من منظمات المجتمع المدني، فالجميع غارقون في مجريات الحياة السياسية.

وتؤكد حداد -في تصريحها للجزيرة نت- أن دور وزارة الثقافة في هذه الإشكالية "ليس غائبا، وإنما مغيب لأسباب يطول شرحها، لعل أهمها يعود إلى شح الإمكانيات التي تجعل هذا الكيان الثقافي مشلولا وعاجزا عن الإسهام بما يحرك المشهد الثقافي ككل".

وتنحو حداد باللائمة الكبرى في غياب ثقافة الطفل في اليمن على القنوات الفضائية اليمنية، فالإعلام اليوم هو الموجه الأول للرأي العام، مؤكدة أن هذه القنوات اتسعت برامجها لكل ما من شأنه تأجيج الصراع والحروب والمناكفات السياسية، ولم تتسع لبرنامج واحد موجه إلى الطفل اليمني يعمل على تنمية مواهبه ومهاراته ويراعي خصوصيته، ويعرفه ببلده أرضا وإنسانا. وبالتالي -تضيف حداد- لا لوم على الطفل بعد ذلك إذا أصبح رهينة في عصر الفضاء المفتوح لقنوات تقدم له ثقافة العنف في برامج براقة، ظاهرها التسلية والفائدة وباطنها الخداع والضياع.

كما تشير حداد إلى أن غياب ثقافة الطفل في المشهد اليمني ليس وليد الراهن، ولكنه إشكالية امتدت لعقود، وكان الأمل قائما في أن تغييرا إلى الأفضل سيعيد الاعتبار إلى هذا الشأن الأهم، "لكن التداعيات الأخيرة لم تدع أملا لذي بصيرة، بل ذهبت بثقافة الطفل إلى زوايا غاية في التهميش والإهمال".

عمران: ثقافة الطفل أصيبت بمقتل في التعليم والإعلام وأشكال الترفيه (الجزيرة)

ميادين ثلاثة
من جانبه، يرى الشاعر عبد الواحد عمران -وهو مهتم بأدب الأطفال- أن ثقافة الطفل في اليمن "أصيبت بمقتل في ميادين ثلاثة، يأتي ميدان التعليم في مقدمتها، حيث تتسيد الطريقة التلقينية في كل جوانب العملية التعليمية، وتحول الطفل إلى خازن مؤقت للمعلومة ليس إلا، ناهيك عن غياب المواد الدراسية التي تعمل على تنمية المواهب وغرس الاستقرار النفسي كالرسم والموسيقى والمسرح".

ويشير عمران -في تصرحه للجزيرة نت- إلى الإعلام كميدان ثان كرس غياب ثقافة الطفل، مؤكدا أنه في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون الطفل اليمني قادرا على التعامل مع وسائط المعرفة التكنولوجية في عالم متغير فإنه من المعيب جدا أن تخلو الساحة الإعلامية اليمنية من أي برامج لتثقيف الطفل أو أي إصدار ثقافي موجه إلى الطفولة، خاصة بعد أن توقفت المجلات التي كانت تمثل موعدا أسبوعيا أو شهريا يلتقي فيه الطفل مع نجوم مفترضين يلبون فيه جانب الفضول والاستكشاف، كمجلة الهدهد، ومجلة أسامة، ومجلة المثقف الصغير.

أما الميدان الثالث -بحسب عمران- فهو الجانب الترفيهي، فحدائق الألعاب على قلتها تمتلئ بألعاب تأخذ أشكال أدوات الحرب، وحين يمارس الطفل اللعب بواسطتها فإنه يقوم بذلك بنفسية متوترة وعقلية مضطربة، مما يكرس لديه ثقافة العنف.

ويبدو هذا الأمر بشكل أكثر وضوحا -والحديث لا يزال لعمران- في محلات الألعاب التجارية التي أصبحت بعيدا عن الرقابة تستورد كل الألعاب التي تشخص أدوات الحرب والمفرقعات النارية، لتتحول الشوارع بعد ذلك إلى معارك ضارية تهيئ مناخا مناسبا لسلخ الطفولة وتكريس ثقافة العنف تحت سمع وبصر الآباء والأمهات.

ويتفق كل من حداد وعمران على ضرورة وجود ثقافة موجهة للطفل كحاضن فكري يقيه الأفكار المنحرفة ويبعده عن منهجية العنف، ويؤكدان أن دور الأسرة في هذا الشأن أصبح الرافعة الأساسية في ظل غياب الجهات الأخرى ذات العلاقة، ومن هنا يتوجب على الآباء والأمهات أن يكون الكتاب على الدرجة نفسها من الأهمية التي يحتلها رغيف الخبز داخل الأسرة.
 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة