إبراهيم: الائتلاف الحاكم في تونس متناقض   
الجمعة 1433/3/11 هـ - الموافق 3/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 18:51 (مكة المكرمة)، 15:51 (غرينتش)

أحمد إبراهيم: حركة النهضة ليس لها حتى الآن أي برنامج أو رؤية

حاورته: إيمان مهذب

قال الأمين الأول لحركة التجديد (الحزب الشيوعي التونسي سابقا) أحمد إبراهيم إن الائتلاف الحاكم في تونس فيه "تناقضات وغير جاهز للسلطة"، وهو ائتلاف مكون من حركة النهضة الإسلامية وحزبيْ المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.

وأشار إلى أن حركة النهضة "ليس لها حتى الآن أي برنامج ولا أي رؤية لترتيب الأولويات".

وأوضح إبراهيم -الذي خاض المعارضة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي- في حواره مع الجزيرة نت أن وصول الحركات الإسلامية إلى الحكم "ظاهرة شاملة"، معتبرا أن إخفاقات الحركة الوطنية والقومية واليسارية، ساهمت في ذلك.

وأوضح إبراهيم -الذي ترشح في 2009 للانتخابات الرئاسية- أن حزبه يواصل الاتصالات مع عدد من الأحزاب ذات التوجه نفسه لإعادة التوازن إلى المشهد السياسي في تونس.

وإليكم نص الحوار كاملا:

 أعلنت حركة التجديد مؤخرا أنها ستواصل الاتصالات الرامية إلى بناء حزب جماهيري قادر على تقديم البديل للبلاد، فما هي دوافع ذلك؟

أحمد إبراهيم: لقد أفرزت الساحة السياسية بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي اختلالا فادحا في موازين القوى، وكنا نحن في حركة التجديد قد نبهنا إلى خطورة هذا الاختلال الذي كان في جانب كبير منه منتظرا، ونادينا بجبهة انتخابية تضم كل الذين هم حريصون على تحقيق أهداف الثورة، وفي الوقت نفسه حريصون على المحافظة على المكاسب الحداثية والتقدمية في بلادنا، والتي ترمي بجذورها في الحركة الإصلاحية التونسية التي من بينها حرية المرأة وحرية التعليم والبناء العصري للدولة.

لكن نداءنا لم يجد الصدى الكافي لأن أغلب الأطراف الفاعلة اختارت خوض المعركة الانتخابية لحسابها الخاص، بسبب النظام الانتخابي نفسه، وقد بينت نتائج الانتخابات أن هذه الحسابات خاطئة.

 هل بدأتم المشاورات مع أحزاب أخرى؟

أحمد إبراهيم: اليوم نشاهد عودة الوعي وموجة كاملة من التوحد تشمل العائلات السياسية المختلفة، ومن بينها العائلة السياسية التقدمية الديمقراطية الحداثية.

وفي هذا السياق، قمنا بمشاورات مع أطراف أخرى لها مواقف متجانسة معنا من بينها الحزب الديمقراطي التقدمي وحزب آفاق للتباحث في أشكال ومحتويات بناء حزب واسع قادر على أن يساهم في ترجيح الكفة لصالح قوى التقدم والحداثة.

وفي الوقت الحاضر لاحظنا أن الحزب الديمقراطي التقدمي اقترح على أطراف أخرى الاندماج في صلبه، ونحن ما زلنا متفقين على بناء حزب مشترك، يكون لقاء بين مختلف المكونات ذات التوجه نفسه، بقدر ما نعتقد أنه لا يمكن اختزال هذه العملية في امتصاص حزب لبقية الأحزاب الأخرى.

ولنا الآن مشاورات متقدمة مع حزب العمل التونسي ومستقلين من القطب الديمقراطي الحداثي لعقد مؤتمر مرحلي توحيدي يمكن أن يلتقي فيما بعد مع جهود أخرى.

وهذا ما دفعنا إلى التفكير في بناء حزب جماهيري له جذور شعبية وله توجه اجتماعي، فتوجهاتنا معروفة ومنحازة إلى الفئات الشعبية، والجهات المحرومة، شريطة أن يكون هذا الحزب ديمقراطيا وقاطعا مع بقايا النظام السابق ومتوجها للمستقبل.

 حديثكم عن بديل ينم عن حالة من عدم الرضا عن المشهد السياسي الحالي، فما هي أهم الاختلالات التي ترونها في المشهد السياسي الحالي؟

أحمد إبراهيم: المشهد السياسي الحالي أفرز قوة متقدمة جدا من حيث المقاعد، ومهما كانت طبيعة أي حزب حاصل على نسبة كبيرة، فإن هناك خطرا على الديمقراطية التي هي في حاجة دائمة إلى توازن وإلى إمكانية إيجاد بديل للتداول على السلطة.

وبقطع النظر عن توجه الحركة التي هي في مقدمة الأحزاب اليوم، هناك حاجة إلى توازن يسمح بفتح الأفق على التداول على السلطة.

ومن ناحية أخرى، هذه الانتخابات ترمي إلى تأسيس الديمقراطية وإلى صياغة الدستور في فترة زمنية محددة، لكن الانتخابات البرلمانية طغت عليها المحاصّة والتجاذبات الحزبية، وتم نسيان المهمة الأساسية وهي تركيز الانتقال الديمقراطي، والاستجابة للمطالب الملحة للفئات المحرومة والشعبية، والشباب العاطل.

ولكن في نفس الوقت نرى أن هناك نمطا مجتمعيا عاشت عليه تونس، متجذرا في هويته ومنفتحا في الآن نفسه، وهذا النمط يمكن أن يكون في خطر إذا لم تكن هناك قوة سياسية ومجتمعية قادرة على حماية مكاسب الشعب التونسي التي حصل عليها منذ عقود.

 تحدثتم عن حماية مكاسب الشعب التونسي، فهل هناك تخوف على هذه المكاسب بعد وصول الإسلاميين للحكم، وهل هناك تخوف من الحركات الإسلامية بصفة عامة، خاصة بعد وصولها إلى الحكم في كل من مصر والمغرب كذلك؟

أحمد إبراهيم: وصول الحركات الإسلامية إلى الحكم ظاهرة شاملة، وإخفاقات الحركة الوطنية والقومية واليسارية ساهمت في ذلك، وتراكم مظاهر العجز أفرز نجاحا أو توسعا للحركات الإسلامية.

لكن ليس هناك تخوف، ولكن هناك أخذ لهذه المعطيات بعين الاعتبار، ومع الوعي بأن لتونس خصوصيات، فنحن لنا تجربة في بناء الدولة الحديثة، وإن كانت تجربة تحديثية فوقية ومقترنة في مجملها بالانفراد بالرأي والقرار.

لكن رغم ذلك هناك مجال لتطوير هذه المكاسب التحديثية، شريطة أن يقع ذلك على أساس القطع من غير رجعة مع النظام الفوقي والنمط الاستبدادي.

ولقد لاحظنا في تونس بعض الاستقطاب المفتعل مثل الهوية، وكأن الشعب التونسي لديه خلاف مع هويته، فعلى العكس الشعب التونسي ليست لديه مشكلة مع الهوية، ويعيش إسلامه بكل أريحية، وهو منفتح على العالم في الوقت ذاته.

 أشرتم إلى إخفاق اليسار، فما هي أسباب هذا الإخفاق؟

أحمد إبراهيم: إخفاق اليسار بالمعنى الاجتماعي والإيديولوجي للكلمة، وهو إخفاق لتونس بحسب رأيي لأن الثورة التونسية لم تقم على أساس تساؤلات تخص الهوية، بل قامت من أجل الكرامة والحرية، ولتلبية عدد من المطالب الاجتماعية والسياسية، وفي إطار وحدة وطنية يجب أن تتواصل وتأخذ شكل إرادة لبناء المستقبل.

والأمر الذي وقع هو أن تلك التيارات الحداثية لم تحصل على النتائج المرجوة، ويجب أن يستخلص الجميع الدروس، وأن نعي أن وضع التشتت يجب أن يقع تجاوزه.

 لكن هل لكم أن توضحوا لنا أكثر أسباب الإخفاق؟

أحمد إبراهيم: السبب الأول هو تشتت هذه القوى، كما أن توظيف الخطاب الديني لعب دورا كذلك في فشل هذه القوى التقدمية.

وفي اعتقادي أيضا أن خطاب القوى التقدمية توجه إلى البناء المستقبلي، ولم يأخذ بعين الاعتبار قضية القطيعة الواضحة، ونظر إليه على أنه خطاب نخبوي لم يصل إلى الشعب.

كما أن هذه الأحزاب السياسية ليس لها امتداد شعبي نظرا لعقود التصحر السياسي وعصور الاستبداد، فهي لم تبن لنفسها وجودا في الأحياء الشعبية ولدى الجهات المحرومة.

كما أن هناك نوعا من الانفصال مع الحركات العمالية والنقابية التي لم تدخل الصراع السياسي مع الأحزاب، وكل هذا لعب دورا في نجاح حركة لنهضة.

لكن هذا الإخفاق ليس نهائيا وهذا المشهد السياسي غير مستقر، والمجال مفتوح في المستقبل القريب لترجيح قوى أخرى.

 هل تعتقد أن المعارضة الحالية تعبر عن مطالب الشارع أم إن معارضتها هي من باب الخصومة والجدل السياسي؟

أحمد إبراهيم: ليس من تقاليدنا الخصومة من أجل الجدل السياسي، نحن قوة مسؤولة وطنية وضعت دائما مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، وليس من الوارد أن نتمنى لهذه الحكومة الإخفاق، لأن بلادنا في حاجة إلى تخطي المصاعب الاجتماعية والاقتصادية وحل المشاكل العاجلة.

ولكن مع الأسف، نلاحظ أن الفريق الحاكم أو الائتلاف الثلاثي فيه تناقضات ومن البيّن عدم جاهزيته للسلطة، وخلافا لما كان يعِد به، لم يقدم الطرف المهيمن في هذا الائتلاف أي برنامج ولا أي رؤية لترتيب الأولويات، وإلى حد الآن نحن نعيش وعودا.

نحن اقترحنا -قبل الانتخابات وأثناء الحملة الانتخابية وبعدها مباشرة- رؤية تؤكد أن البلاد ليست في حاجة إلى انقسامات حزبية بقدر ما هي بحاجة إلى إجماع وطني حول برنامج لإنقاذ الاقتصاد والاستجابة للمطالب العاجلة، وخاصة لتأسيس مؤسسات الدولة الجديدة ولكتابة الدستور.

واقترحنا حكومة كفاءات وطنية تدعمها الأحزاب والمنظمات النقابية والمجتمع، ويمكن أن يقع عليها نوع من الإجماع، لكن هذا الاختيار لم يقع قبوله، وإنما وقع اعتماد تمشّ آخر أثبت حدوده يوما بعد يوما، ونحن في المعارضة نريد أن نلعب دورا وطنيا لصالح البلاد.

 كنتم قد التقيتم منذ أيام مع رئيس الحكومة حمادي الجبالي في اجتماع جمع عددا من ممثلي الأحزاب بما فيها المعارضة، فكيف تقومون هذا اللقاء؟

أحمد إبراهيم: هو لقاء إيجابي رغم أنه جاء متأخرا، كما أن الإقرار بأن ما يسمى الشرعية الانتخابية التي هي حقيقة غير كافية جاء متأخرا أيضا، وهناك حاجة إلى شرعية توافقية لأن مصلحة البلاد فوق كل الاختلاف بين الأغلبية والأقلية، وكل هذا يشير إلى الحاجة للوفاق حول عدد من القضايا الوطنية.

وهذا التمشي كان الهدف المعلن من الاجتماع الأول، وقدمت الحكومة ورقة فيها نقاط تطلب أن يقع حوار حولها، ونحن تقبلنا الدعوة، ونطلب أن يكون الحوار حقيقيا وليس تظاهرا بالحوار، وأن يقع استخلاص الدروس من التجربة التي عشناها في الأسابيع الأخيرة.

 برأيكم كيف يمكن للمعارضة أن تساهم في مساعدة الحكومة على تجاوز الظرف الحالي؟

أحمد إبراهيم: المعارضة ليس من وظيفتها مساعدة الحكومة بل مساعدة البلاد، ولها دور شريطة أن يقع الاعتراف بها كمؤسسة من مؤسسات الجمهورية، وأن يقع القطع مع مظاهر التطير منها وتوجيه الاتهامات الاعتباطية لتحميلها مسؤولية الصعوبات والتعقيدات.

ومن دون دور المعارضة يمكن أن ننزلق إلى الاستبداد بالرأي والقرار.

 قلتم إن الحكومة يجب أن تتعامل مع المعارضة كمؤسسة، فهل توجد هذه النية اليوم؟

أحمد إبراهيم: نلاحظ أن هناك نوعا من التحول في خطاب الحكومة من الخطاب الانتصاري إلى خطاب فيه نوع من الواقعية، وإلى إقرار بضرورة التوافق. ونتمنى أن يكون ذلك مؤشرا على أن الدروس قد استخلصت.

 كنتم في صفوف المعارضة في عهد بن علي وبعد رحيل نظامه، فما هو الفرق بين التجربتين؟

أحمد إبراهيم: بفضل الثورة وقع القطع مع النظام المستبد الخانق لكل الحريات، والذي ساهم في التصحر السياسي. كانت تلك الفترة صعبة وكنا فيها شاهدين على الاستبداد والفساد، وكان دورنا هو أن نحرك السواكن وأن نجمع القوى، وبفضل شبابنا الذي طلب المستحيل فناله وقع القطع مع هذه الفترة، واليوم فتحت مجالات للحريات، واليوم هناك إمكانيات كبيرة ليلعب الشباب والمجتمع دورا كاملا.

ليست لنا هواية بأن نكون في المعارضة، ونعتقد أن للأحزاب والمنظمات دورا كبيرا، ويجب أن تكون جاهزة لتقوم بدورها وتساهم في التداول على السلطة، وتنفذ برنامجا ديمقراطيا ووطنيا وتحديثيا.

 تحدثتم عن التداول السلمي على السلطة فهل يعكس ذلك تخوفا من احتكار طرف سياسي معين للسلطة؟

أحمد إبراهيم: كل التجارب التي عرفتها بلدان عديدة تبين أنه في غياب قوى متوازنة، هناك دائما منزلق إلى أن يهيمن الطرف الحاصل على الأغلبية على الدولة والمؤسسات.

 هل شعرتم بهذه الهيمنة من قبل حركة النهضة؟

أحمد إبراهيم: التجارب التي عشناها في المجلس التأسيسي، مثل الاستعمال الأوتوماتيكي للتصويت بسبب موافقة الأغلبية، ورفض التفاعل مع مقترحات تأخذ بعين الاعتبار طبيعة المرحلة الانتقالية، مع ازدواجية الخطاب، ومع ما نلاحظه من تواطؤ أو من تفهم مفرط لبعض الظواهر والانفلاتات الحاصلة في البلاد، مع التعديات على الإعلاميين وحرية الإعلام، (كل ذلك) يخلق نوعا من الارتباك والانشغال.

ودون أن ننزلق في الاتهامات بالهيمنة، هناك مسار يمكن أن يؤدي إلى نوع من التغول والهيمنة إذا لم تكن هناك قوة سياسية مجتمعية ذات وزن يمكن أن تردع وتحمي البلاد من منزلقات الهيمنة الواردة.

 تحدثتم عن هيمنة الترويكا الحاكمة من خلال التصويت الأوتوماتيكي أو عدم التفاعل مع المقترحات، فهل سيكون ذلك في صياغة الدستور؟

أحمد إبراهيم: لا نأمل ذلك، وتصريحات بعض الأطراف تقول إن الدستور شيء آخر، ونعتقد أن هناك اتفاقا على المبادئ السياسية للدستور، ونأمل أن تفي كل الأطراف بمدنية الدولة.

وعلى المجتمع المدني والسياسي أن يكون واعيا لأن كتابة الدستور مسألة حيوية، ويجب أن يكون الدستور في مستوى انتظار الشعب والثورة وصالحا لعقود.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة