العقلية الفلسطينية طورت أدوات المقاومة من الحجر إلى الصواريخ   
الثلاثاء 1425/8/21 هـ - الموافق 5/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 9:32 (مكة المكرمة)، 6:32 (غرينتش)
 
الضفة الغربية-الجزيرة نت
   
هل المقاومة الفلسطينية اليوم أفضل حالا مما كانت عليه في السابق بعد انطلاق انتفاضة الأقصى؟ وهل تمكنت من تطوير أدواتها القتالية؟
أما زال التعاون قائما بين الفصائل الفلسطينية وأجنحتها العسكرية؟ وهل المقاومة هي الخيار الأمثل لتحقيق أماني ورغبات الشعب الفلسطيني؟
 
في ما يلي نص الحوار الذي أجرته الجزيرة نت مع أبو عبير الناطق الإعلامي باسم ألوية الناصر صلاح الدين -الذراع العسكرية للجان المقاومة الشعبية- والذي تطرق أيضا بالتفصيل لطبيعة الأدوات العسكرية المستخدمة من قبل المقاومة الفلسطينية:
 
بداية هل لك أن توضح لنا الفرق بين مستوى المقاومة المسلحة في بداية انطلاق انتفاضة الأقصى وما وصل إليه الآن؟
 
"
عقلية المقاومة استطاعت أن تثبت للعالم أجمع بأنها الوحيدة القادرة على ردع آلة العدو الصهيوني والتكنولوجيا المتطورة الخاصة بهم
"
المقاومة الفلسطينية المسلحة في السابق لم تكن تذكر ولا تقارن بالوضع الحالي، والدليل على ذلك أن العدو الصهيوني كان إذا أراد اجتياح بلدة معينة في السابق وفي بداية الانتفاضة يحشد ما لا يزيد عن بضع دبابات دون طائرات الأباتشي، لكن الآن وبعد تطوير المقاومة لأدواتها واستحداث أساليب قتالية جديدة، وقدرتها على التفنن في قتل العدو وصد الاجتياحات المتكررة أصبح هذا العدو قبل أن يفكر في أي اجتياح يحسب ألف حساب للمقاومة وعبواتها وصواريخها الموجهة، ويستدعي الطائرات قبل الدبابات بشكل يعتقد أنه لا يمكن للمقاومين صدها معه، لكن رغم الطائرات والدبابات تمكنت المقاومة من إلحاق خسائر بالعدو الصهيوني.
 
وعقلية المقاومة استطاعت أن تثبت للعالم أجمع أنها هي الوحيدة القادرة على ردع آلة العدو الصهيوني والتكنولوجيا المتطورة الخاصة به في كل مكان يصل إليه.
 
فهناك سياج أمني فاصل وعازل بأسلاك كهربائية وهناك تحصينات قوية ومتينة لكن المقاومة الفلسطينية استطاعت بعقليتها البسيطة اختراق كافة هذه التحصينات والوصول إلى عمق العدو وإلحاق أكبر أذى به. وبفعل إرهاق المقاومة الفلسطينية لهذا العدو الصهيوني على مدار أربع سنوات من الانتفاضة المباركة شهد أزمة اقتصادية وهجرة معاكسة.
 
المقاومة الآن أصبحت تمتلك أساليب جديدة لم يعهدها العدو من قبل كالصواريخ الفلسطينية التي باتت تقض مضاجع المغتصبين في سديروت وكافة المستوطنات. تلك الصواريخ التي صنعت بأيد إسلامية متوضئة داخل غزة بأقل الإمكانيات، مما حدا بالجيش إلى التعليق يوميا على هذه الصواريخ للحد من خطرها في المستقبل. وتحدث الإعلام الصهيوني عن أثر هذه الصواريخ على حياة الصهاينة والمجتمع والكيان الصهيوني.
 
 
وما هي المراحل التي اجتازتها المقاومة الفلسطينية حتى وصلت إلى هذه المرحلة؟

كانت بداية المقاومة الفلسطينية عبارة عن مسيرات جماهيرية يتخللها رشق الحجارة على ثكنات العدو في كل محور، لكن العدو بدأ بالغطرسة وبدأ بإطلاق النار على المواطنين المدنيين رغم أن هذه المسيرات كانت تعد بالآلاف من الطلبة المدنيين ولا علاقة لحاملي السلاح بها.
 
وأصبح العدو يوقع العشرات من أبناء شعبنا بشكل يومي متواصل بين شهيد وجريح فأخذت حينها هذه المقاومة الباسلة الرد على العدو لتسقيه من ذات الكأس الذي تجرع منه الشعب الفلسطيني.
 
وأخذت المقاومة على عاتقها حمل السلاح الخفيف ثم نفذت عمليات طعن بالسلاح الأبيض في الأراضي المحتلة عام 1948، ثم حمل المقاومون الكلاشنكوف لصد الاجتياحات والدفاع عن أبناء شعبنا وليس للهجوم.
 
وفي غضون أشهر قليلة ازدادت الغطرسة الصهيونية حدة على أبناء شعبنا ومع ازديادها ازدادت المقاومة الفلسطينية، وأخذت على عاتقها أن تكون الدرع الواقي للشعب الصابر فأخذت تشكل وحدات هندسية خاصة للتصدي لأهداف صهيونية على محاور قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948 واستعمال كافة أساليب المقاومة حسب الأهداف.
 
"
في تطور نوعي تمكنت المقاومة من تفجير ثلاث دبابات من نوع ميركافا الأشد تحصينا في العالم وأفشلت صفقات كبيرة مع العدو الصهيوني
"
فالدبابات هناك عبوات خاصة بها، للمستوطنات الصهيونية طرق يسلكها المجاهدون للاقتحام من تحت الأرض ومن فوقها. وهناك القصف اليومي للمستوطنات الصهيونية بقذائف الهاون المصنوعة محليا. وقد استطاعت ألوية الناصر صلاح الدين وفي تطور نوعي للمقاومة تفجير ثلاث دبابات من نوع ميركافا الأشد تحصينا في العالم وذلك في أقل من عام عن طريق تفجير عبوة وزنها 150 كغم من المتفجرات حيث قتلت أكثر من ثمانية جنود صهاينة وأصابت 8 آخرين حسب اعتراف الصهاينة.
 
ونتيجة نجاح المقاومة في تدمير الميركافا ألغيت صفقات مع الهند وتركيا تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات نظرا لسحق المقاومة الفلسطينية لهذه الآلية.
 
وفي الآونة الأخيرة تمكنت وحدة الهندسة في ألوية الناصر صلاح الدين وفي كتائب القسام من التوصل إلى صواريخ بعيدة المدى أطلق عليها "القسام" و"الناصر3" ببعد متوسطة (نحو 12 كم) وقتلت هذه الصواريخ وأصابت الكثير من الصهاينة، وأصبحت تطلق بشمل متواصل ردا على الصواريخ التي تطلقها طائرات الأباتشي التي تغتال المجاهدين.
 
وهذه الصواريخ لن تقف طالما هناك اغتيالات وتدمير للبيوت وحصار خانق من قبل العدو الصهيوني لكافة أبناء شعبنا، واستمرار في الاجتياحات. والاغتيالات المتكررة والمتواصلة لن تزيد المجاهدين إلا قوة وصلابة وإيمانا بحقهم في الدفاع عن كامل التراب الفلسطيني المقدس.
 
 
وكيف تمكنت المقاومة من تطوير هذه الأدوات القتالية رغم الحصار الخانق الذي يعاني منه قطاع غزة؟
 
أرجو ألا يستهين العالم العربي والإسلامي بالعقلية الفلسطينية التي قهرت العدو الصهيوني على مدى أكثر من 50 عاما,  ويجب ألا ننسى أن الشعب الفلسطيني من أكثر شعوب العالم تقدما في المستوى التعليمي حتى قبل مجيء الاحتلال.
 
فالمقاومة الفلسطينية تستطيع بطرقها الخاصة تطوير أدواتها والتقدم لتحدث توازنا في الرعب مع العدو الصهيوني غير آبهة بالحصار الخانق لأن من يملك الإرادة والإيمان بالله عز وجل لا ولن يعرف طريقا للهزيمة.
 
 
وما هي طبيعة مكونات الأدوات القتالية المستخدمة في قطاع غزة؟
 
ما تملكه المقاومة الفلسطينية هو أدوات قتالية بسيطة موجودة محليا على الصعيد الفلسطيني ومتوفرة لدى فصائل المقاومة الفلسطينية. وقد استطاعت المقاومة تصنيع عبوات ناسفة وصواريخ محلية الصنع يتم تصنيعها بأسلاك وبأغراض محلية، فمثلا صاروخ الناصر الذي يحمل على الكتف أشبه بالآر بي جي وهو عبارة عن ماسورة حديدية تحمل قذيفة لا يتجاوز طولها أربعين سنتمتر تحمل رأسا متفجرا بزنة 2 كغم تقريبا من المتفجرات المصنعة محليا والتي تضاهي مادة تي أن تي التي يعرف الجميع شدة انفجارها.
 
وتتعلم المقاومة وتستفيد من العديد من الخبرات السابقة. فالعدو الصهيوني عندما يغتال ويقتل ويدمر يجبر المقاومة الفلسطينية على التوحد وإنشاء غرف عمليات مشتركة بين الفصائل الفلسطينية لابتكار وسائل جديدة تستطيع مفاجأة العدو وإلحاق أكبر أذى به.
 
وتمتلك المقاومة الفلسطينية أسلحة خفيفة أخرى مثل قذائف الهاون التي تطلق يوميا على المستوطنات وهي أيضا مصنوعة محليا بكافة ما تحمله هذه القذائف من حديد وشظايا داخل رأسها وتتطاير بعد الانفجار، إضافة إلى الماسورة الحديدية ذات القاعدة العريضة التي تثبت في الأرض حتى لا يكون هناك أي خلل في إطلاق القذيفة.
 
وهناك أيضا صواريخ أرضية تم تطويرها من الهاون وتحويلها إلى قذيفة أرضية تعمل ببطاريات عن بعد حسب احتياج المقاومين لهذا البعد وتستطيع المقاومة في هذه التصنيعات والابتكارات وضع أي كمية تريدها وتراها مناسبة من المتفجرات حسب الهدف.
 
وأيضا هناك تصنيع للقنابل اليدوية داخل قطاع غزة بأدوات بدائية بسيطة ومخارط صغيرة لدى المجاهدين وهي تضاهي أيضا القنابل التي صنعت في أميركا وتسمى بالملس وتحمل أكثر من 34 شظية تستطيع إلحاق أذى عن بعد خمسمائة متر تقريبا.
 
كما تمكنت المقاومة من تصنيع أسلحة رشاشة محلية من نوع م 16. ولا شك أنها بدائية ولا تعمل إلا بالنظام الأوتوماتيكي فقط، وتصل لمدى بعيد، كما تستطيع قنص الهدف. لكن هذه الأداة غير موجودة بشكل كبير لدى المجاهدين نظرا لصعوبة صناعتها.
 
نفذت الأجنحة العسكرية لعدد من الفصائل عمليات فدائية مشتركة، فإلى أي مدى يتواصل هذا التعاون؟

"
عندما ازدادت غطرسة العدو وازداد بطشه بأبناء شعبنا توحدت كافة الفصائل الفلسطينية العسكرية العاملة على الساحة الفلسطينية
"
عندما ازدادت غطرسة العدو وازداد بطشه بأبناء شعبنا توحدت كافة الفصائل الفلسطينية العسكرية العاملة على الساحة الفلسطينية وشكلت غرف عمليات على صعيد الأراضي المحتلة لتنفيذ مهمات جهادية كل حسب موقعه وكل حسب الرغبة التي يراها مناسبة. ويتم تحديد عدد الفصائل المشاركة في العملية حسب الهدف المرجو تحقيقه، فهناك إمكانية لتحقيق التدخل بمشاركة فصيلين أو أكثر لاقتحام مستوطنة، كما رأينا في السابق حيث كانت هناك مشاركة داخل منطقة أيرز الصناعية واستطاعت المقاومة تضليل العدو الصهيوني قبل بضعة أشهر عندما قامت بتجهيز سيارتين عسكريتين تشبهان سيارات الاحتلال استقلها مجاهدان من الأمام ومجاهدان من الخلف واشتبكوا مع العدو الصهيوني ومن ثم قاموا بتفجير حاجز أيرز وهذا كان بمشاركة أربعة فصائل فلسطينية.
 
وهنا يأتي توحد الفصائل الأربعة على قلب رجل واحد لأن العدو واحد ولا يعرف إلا لغة واحدة هي لغة القصف والدمار، ولا بد أن يعامل بالمثل والبادئ أظلم, ففي مستوطنة موراغ قبل أيام شاركت ثلاثة فصائل فلسطينية عاملة على الساحة هي أولوية الناصر صلاح الدين وسرايا القدس وكتائب الشهيد أحمد أبو الريش، وتمكن ثلاثة من استشهاديي هذه المجموعات من اقتحام كافة التدابير الأمنية التي أعدها العدو الصهيوني ومن اختراق كافة الكمائن المنصوبة حول هذه المغتصبة بالذات والتي يعدها العدو الصهيوني من أكثر مغتصباته أمنا في قطاع غزة، وقاموا بالاشتباك معه فترة تزيد على 6 ساعات وأوقعوا في صفوفه قتلى وجرحى بينهم نائب قائد المغتصبة.
 
وعلقت إذاعة العدو الصهيوني على الفشل الذريع لأمنها وعبرت عن استغرابها ودهشتها لكيفية وصول المجاهدين لداخل المغتصبة واقتحام غرف الجنود وقتل هذا العدد الكبير منهم.
 
وهنا نحن نتحدث عن توحد المقاومة الفلسطينية في وقت يتحدث فيه العدو الصهيوني عن حرب أهلية باتت وشيكة داخل المجتمع الصهيوني فإذا كان الانفلات الأمني يفرق فالعدو الصهيوني يوحد صفوف المجاهدين في هذه الضربات.
 
 
بالتأكيد كانت المعركة طويلة والحرب متواصلة.. ألا يؤثر هذا على عزيمة وقدرة المقاومة على المواصلة خاصة أن بعض قادتها مطاردون ليل نهار؟
 
قادة المقاومة الفلسطينية عندنا اختاروا هذا الطريق ويعلمون جيدا أن له بابين الباب الأول هو النصر والثاني هو الشهادة، فهم أخذوا على عاتقهم حمل الأمانة والدفاع عن شرف الأمة لأن الشعب الفلسطيني هو رأس الحربة التي تدافع عن الأمة الإسلامية والعربية، وقيادات المقاومة تشعر بالفرحة دائما بأي نصر يحققه المجاهدون والمقاومة ويزيدهم هذا النصر ثباتا وإصرارا على نزع حقهم من بين أنياب العدو مؤكدين بهذا الصمود الأسطوري خلال السنوات الأربع الماضية  الاستمرار في المعركة رغم الاغتيالات.
 
وهنا تجدر الإشارة إلى ما قاله الأخ قائد ألوية الناصر صلاح الدين في خان يونس بعد سويعات من محاولة اغتياله حين رفع إصبعه السبابة وقال: إنني بخير والحمد لله وسنستمر في الهجوم، وحتى إذا استشهدت فأمانة في أعناقكم الأطفال الأيتام الذين استشهد آباؤهم وذووهم إثر غارات العدو الصهيوني على أبناء شعبنا الفلسطيني. وأكد أنه سيستمر في ضرب العدو في كل مكان ردا على أي جريمة يرتكبها.
 
 
وكيف ينظر المقاتلون الفلسطينيون الملاحقون إلى العام الخامس من الانتفاضة والمستقبل القريب؟
 
نتمنى أن يأتي العام الخامس للانتفاضة سواء كنا فوق الأرض أحياء أو في باطنها أحياء وفلسطين متوجة بالنصر الإسلامي المبين وقد فتحت أبواب بيت المقدس على أيدي المجاهدين الذين أخذوا على عاتقهم حمل الأمانة.
 
ونتمنى أن يرحل العدو الصهيوني عن كافة بقاع الوطن الفلسطيني، نحن لسنا دعاة حرب بل نحن من أكثر شعوب العالم مطالبة بالسلام الحقيقي والكامل والشامل ليستطيع أبناؤنا الرقي بالوطن الفلسطيني الأم أمام شعوب العالم. فالأمانة التي نحملها للأجيال القادمة بعدنا هي أن هذه الأرض لا غنى عنها وأن التفريط في ذرة رمل من ترابها المقدس خيانة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة