"لوزيعة".. تضامن اجتماعي في قرى الجزائر   
الخميس 29/9/1436 هـ - الموافق 16/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:05 (مكة المكرمة)، 11:05 (غرينتش)

ياسين بودهان-الجزائر

على وقع زغاريد النسوة وطلقات البارود، يجتمع سكان قرية "عونة" شمالي ولاية سطيف الجزائرية أمس على إحياء عادة توارثوها أبا عن جد تسمى "لوزيعة" وذلك احتفالا بليلة القدر وقدوم عيد الفطر السعيد.

وتعد "لوزيعة" أحد أهم مظاهر التضامن التي يتميز بها سكان قرى ومداشر (أحياء) منطقة القبائل الكبرى والصغرى بالجزائر.

وبعد أن كانت هذه المناسبة مرتبطة بالأرض وبالماء، حيث كان السكان يتقربون إلى ربهم بذبح العجول والأبقار، وتوزيعها لحومها على الفقراء طلبا للغيث، باتت الآن مرتبطة بقدوم المناسبات الدينية كعيد الفطر وليلة القد، والمولد النبوي، ويقيمها البعض منهم احتفالا برأس السنة الأمازيغية الموافقة للثاني عشر من يناير/كانون الثاني من كل عام.

و"لوزيعة" هي عملية تضامنية يشارك فيها سكان قرية من القرى لشراء مجموعة من الذبائح توزع لحومها بالتساوي على كل سكان القرية.

ذبح العجول خلال تنظيم عملية "لوزيعة" التضامنية بقرية عونة (الجزيرة)

عملية تضامنية
ويكون شراء الذبائح بإشراف شيخ القرية الذي يسمى في منطقة القبائل "الشيخ نثادارث" أي شيخ القرية، وهذا الشيخ عبارة عن هيئة تقليدية مكونة من كبار القوم تعود لهم سلطة الأمر والنهي في كل ما يتصل بشؤون القرية وأمور سكانها الحياتية.

وتبدأ "لوزيعة" والتي لها مسميات أخرى على غرار "تيمشرط" و"السهمة" بإطلاق عملية التسجيل، ووفق عدد العائلات المسجلة يتم تحديد عدد رؤوس الماشية التي يتم شراؤها، وكلما زاد عدد المشتركين انخفض سعر حصة اللحم التي تتحصل عليها العائلات.

الجزيرة نت انتقلت إلى قرية "عونة" الواقعة في أقصى شمال ولاية سطيف (400 كلم شرقي العاصمة الجزائر) والتي نظمت هذا النشاط التضامني إلى جانب قرى ومداشر عديدة بالجزائر، وشاركت الأهالي بهجتهم وفرحتهم بإحياء ليلة القدر، وفرحتهم لقدوم عيد الفطر.

وأوضح رئيس جمعية "أسيرم" (جمعية ثقافية واجتماعية محلية) فاضلي بجاوي بأن هذه المبادرة جاءت بالتنسيق مع جمعية "أسيرم" وجمعية أهل الخير، وبمساهمة كل سكان القرية وبعض المحسنين.

فاضلي بجاوي: توزع لحوم الذبائح على سكان القرية بالتساوي حتى من لم يساهم في شرائها (الجزيرة)

أجواء بهيجة
وكشف بجاوي للجزيرة نت بأن عدد العائلات المستفيدة من هذا النشاط تجاوز 170 عائلة، وبين بأن أفراد هذه العائلات اجتمعوا ليلة السابع والعشرين من رمضان في أجواء بهيجة واحتفالية أمام الساحة المقابلة لمسجد القرية، حيث حضروا نحر أربعة عجول، وتم سلخها وتعليقها إلى أن جفت.

وفي اليوم الموالي "يتم تقطيع اللحم ويجلس سكان القرية في حلقة كبيرة ويوضع اللحم في أكوام متساوية تسمى "ثونت" بالقبائلية أي "الحصة" ويتم توزيعها على العائلات المشاركة.

ولأن النشاط تضامني واجتماعي بالدرجة الأولى، أكد فاضلي أن كل عائلات القرية يجب أن تأخذ حصتها، بما في ذلك العائلات الفقيرة التي لا تستطيع دفع قيمة الحصة، والتي يتولى محسنون عنها دفع ثمنها.

ووفق فاضلي فإن الهدف الأسمى من هذه المبادرة هو لمّ شمل سكان القرية، ودعوتهم إلى مصالحة بعضهم البعض وتناسي خلافاتهم، وهي فرصة يقول لاستقطاب أبناء القرية الذين غادروها إلى مدن أخرى، لأن العادة تلزم -وفق حديثه- أن يكون لكل سكان القرية وإن هاجروها نصيب في الوليمة.

عمار فيلالي: فضيلة ارتبطت بالمجتمع الجزائري قبل وأثناء وبعد ثورة التحرير (الجزيرة)

تحقيق الوحدة
ولأن هذه "العادة الاجتماعية" باتت مهددة بالاندثار اجتماعيا، فإن تنظيمها والحفاظ عليها بات أكثر من ضرورة، وفق حديث عزوز بجاوي، وهو أحد سكان القرية الذي قال للجزيرة نت إن الأهداف السامية لهذه المبادرة، والتي لخصها في تحقيق الوحدة بين سكان القرية، وتعليم الأجيال الجديدة قيم التسامح والتضامن، كلها عوامل يقول "تدفعنا لأن نتمسك بها أكثر، ونحن في شهر رمضان، وعلى أعتاب عيد الفطر السعيد".

من جانبه، أكد عمار فيلالي، وهو إمام مسجد سابق وأحد أعيان القرية أن "لوزيعة" هي فضيلة ارتبطت بالمجتمع الجزائري قبل وأثناء وبعد ثورة التحرير.

ويقول فيلالي للجزيرة نت إن هذه العملية تذيب كل الفوارق المجتمعية، فلا فرق هنا بين صغير وكبير، أو غني وفقير، ولا فرق بين رجل وامرأة، الكل متساو، لذلك يعتبرها أنها تجسد أخلاق الإسلام في أسمى معانيها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة