المغرب يخطو أولى خطواته صوب تحرير الخدمات الإعلامية   
السبت 17/2/1427 هـ - الموافق 18/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:04 (مكة المكرمة)، 21:04 (غرينتش)

عبد السلام رزاق

في خطوة أولى لتحرير الخدمات الإعلامية, يستعد المغرب ابتداء من الشهر المقبل للإعلان عن فتح الخدمات الإعلامية العمومية أمام القطاع الخاص من خلال السماح بإنشاء 30 محطة تلفزيونية وإذاعية.

 

واستنادا لوزارة الاتصال التي تشرف على العملية, فإن هذه التجربة هي الجيل الأول من تحرير هذا القطاع والتي ينتظر أن تتبعها خطوات أخرى.

 

الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قالت إن جلسات استماع مع حاملي مشاريع البث الإذاعي والتلفزيوني بدأت منذ منتصف الشهر الجاري. ويرى متابعون للسياسة الإعلامية المغربية أن هذه الجلسات تعتبر لحظة تقييم أساسية لمجموع المشاريع المقترحة والمستوفية لشروط القبول القانونية المحددة بموجب القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري.

 

وأفادت مصادر صحفية من داخل المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن أربعة من بين تسعة ملفات طلب تراخيص لإنشاء قنوات تلفزيونية تم الإعلان عن قبولها من قبل اللجنة المشرفة على التقييم في المجلس، وهي حاليا في طور التقييم النهائي قبل الشروع في تنفيذ المشاريع.

 

أما على مستوى الخدمات الإذاعية فقد بلغ عدد الطلبات 52 طلبا، إلا أنه -وحسب المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري- لم يتم قبول سوى 31 من تلك الطلبات تتوفر فيها الشروط اللازمة لإحداث مؤسسات إذاعية حسب المواصفات المتعارف عليها.

 

وقال رئيس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أحمد غزالي "إن تحرير وسائل الاتصال السمعي البصري في المغرب ليس عملية معزولة, إنها جزء من عملية تحرير وتحديث المجتمع". وأضاف أن السلطات المغربية العليا تدعم تحرير الإعلام في إطار العمل الأشمل للتحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

"
رئيس الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أحمد غزالي: إن تحرير وسائل الاتصال السمعي البصري في المغرب ليس عملية معزولة, إنها جزء من عملية تحرير وتحديث المجتمع.
"

 

وكان المغرب قد دخل رسميا منذ منتصف الثمانينيات مرحلة نزع احتكار الدولة للبث الإذاعي من خلال السماح بإحداث إذاعة البحر الأبيض المتوسط. إلا أن هذه الخطوة بقيت يتيمة ومحكومة بعلاقات مغربية فرنسية ملتبسة إلى حد بعيد.

 

ورغم حماسة الجهات الرسمية المغربية لمشاريع فتح المجال الإعلامي أمام القطاع الخاص فإن هناك جهات إعلامية مغربية ترى أن هذه الخطوة جاءت متأخرة جدا مقارنة مع مؤشر الانفتاح السياسي الذي يعرفه المغرب.

 

كما أن إنشاء إذاعة البحر الأبيض المتوسط بطنجة عام 1981 إلى جانب إنشاء قناة تلفزيونية ثانية عام 1989, يجعل من المبادرة التالية خارج سياقها الزمني والسياسي خصوصا داخل السياق الإعلامي العالمي المطبوع بالتنافسية المحمومة.

 

وبالمقابل تذهب جهات أخرى إلى أن العملية بكاملها لا تعدو أن تكون محاولة تجميل تهدف إلى إقناع الخارج بانفتاح المغرب والتماشي مع تحولات العصر. وقال مدير تحرير "الجريدة الأخرى" علي أنوزلا إن التحرير مرتبط بظرف سياسي يقوم على الانفتاح الحذر.

 

لكن هذا الانفتاح الحذر يكشف حالة من التناقض الصارخ، إذ إن جميع الموجات الهرتزية على خط "أف إم" (FM) هي الآن محجوزة من قبل الدولة، وأن "القطب العمومي" الذي أحدثته الدولة للإشراف على الإذاعات والقنوات المملوكة للدولة والتي يبلغ عددها اليوم ست قنوات تلفزيونية إلى جانب تسع إذاعات يجعل الأمر محسوما سلفا. كما أن الطلبات المتبقية سوف لن تجد سوى حيزا ضيقا سيستعمل لإنشاء إذاعات لن تغير في الإطار العام للمشهد الإعلامي.

 

وشدد الإعلامي علي أنوزلا على أن مشكلة المغرب اليوم هي عدم تمكنه من تحديد أجوائه الإذاعية، وأن القطب العمومي لا يمكنه أن يحافظ على "سيادته الهرتزية" التي يتم اختراقها من قبل الإذاعات الإسبانية في الشمال والجنوب والإذاعات الجزائرية في الشرق إلى جانبي الإذاعة الصحراوية في الغرب والجنوب الغربي.

 

ومهما يكن من أمر فإن تحرير الإعلام في المغرب قد يكون خطوة إلى الأمام في بلد يريد له البعض أن يكون في مقدمة التغيير في العالم العربي. إلا أن التغيير الحقيقي لن يكون له شأن ما لم يكن نابعا من عمق القواعد المجتمعية واحترام إرادة الصحفيين من كافة الآراء والأصوات أيا كانت درجات نشازها, دون ممارسة لعبة إيهام الخارج وقمع الداخل وهو ما لا يستقيم مع القواعد الإعلامية العالمية.

__________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة