العامية الجزائرية كسل مشرقي أم إيغال بالترميز؟   
الأحد 1427/8/2 هـ - الموافق 27/8/2006 م (آخر تحديث) الساعة 22:59 (مكة المكرمة)، 19:59 (غرينتش)
كتابات حائطية في الجزائر توضح تداخل اللغتين الفرنسية والعربية (الجزيرة نت-أرشيف)

كان السوري زياد كرم يعتقد وهو يزور الجزائر أنه سيشعر بنفسه بين ظهرانيه على الأقل على مستوى اللغة, لكن سريعا ما اكتشف خطأه, وكان عليه أن يتدرب ليفهم أصدقاءه الذين يصف لغتهم بأنها "معقدة ذات أصوات غير مألوفة" ما جعله يلجأ لخدمات مترجم, ربما كالعديد من أبناء المشرق الذين أخذوا يتوافدون على البلد مع عودة الاستثمار.
 
فبعد خمسة عقود على الاستقلال ما زال الجزائريون يستعملون لغة تخاطب يومي, في مزيج يشبه مزيج تاريخهم وهويتهم, التي طبعت بالحضارات الفينيقية والرومانية والبيزنطية والتركية والفرنسية, وحتى الإسبانية خاصة في العاصمة ومدينة وهران بالغرب التي خضعت للاحتلال الإسباني قرنين وثمانين عاما.
 
يتحدث الجزائريون لهجة, هي مزيج من العربية والأمازيغية (البربرية) والفرنسية وأحيانا التركية, وهو مزيج لا يفهمه أغلب العرب, وإن كان مألوفا بالنسبة للجارتين تونس والمغرب.

"عندما يسمعون أحدهم يمزج العربية والبربرية والفرنسية, يقولون إنه جزائري"

الرئيس بوتفليقة

 
علامة تجارية
لقد تحول هذا المزيج إلى ما يشبه علامة تجارية فـ"عندما يسمعون أحدهم يمزج العربية والبربرية والفرنسية, يقولون إنه جزائري", على حد قول الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بخطاب له مؤخرا, مبديا أمله أن يرى الجزائريين يتحدثون لغة عربية أحسن.
 
غير أن فهم العامية الجزائرية لن يكون سهلا, ففي جملة واحدة قد يكون الفاعل بالعربية والفعل بالفرنسية وتتمة الجملة بالأمازيغية أو التركية, وحتى الإسبانية.
 
فجملة "سيارة دهست محمد وقد نقل إلى المستشفى", تتحول في العامية الجزائرية إلى "محمد درباتو طوموبيل, داتو ديريكت لسبيطار".
 
السيارة هي توموبيل (تحوير الفظ الفرنسي automobile), سبيطار هي المستشفى بالتركية, ودرباتو (تحوير ضربته) واللكنة هي لكنة أمازيغية بلاد القبائل.
 
وهذا مثال آخر: "هنا قوم الرّاببيد, لازم تبوجي باش تاكل الرُّوجي", هكذا يصف الشاب محمد أنيس وقع الحياة, بمزيج فالكلمة الأولى فصحى والرّاببيد (تحوير للفظ الفرنسي rapide الذي يعني سريع, لازم بمعني يلزم, تَََْبوجي (تحوير للفظ الفرنسي bouger بمعنى يتحرك) باش بمعنى "لكي" بالعربية الجزائرية, تاكل تحوير تأكل, والروجي التسمية الفرنسية لسمك باهض الثمن, والمحصلة "نحن جيل وقع الحياة فيه سريع, وإذا أردت أن تعيش عيشة الكفاف وتأكل هذا السمك الباهض فعليك السعي والتحرك بسرعة".
 
لا نخجل منها
قد تخرج هذه اللغة الأجانب عن طورهم, لكنها بالنسبة لكثير من الجزائريين عادية جدا, وليس هناك ما يستوجب الاعتذار فـ"هكذا نتحدث في الجزائر, ولا أفهم ما يغضب رئيسنا" كما يقول الأستاذ الجامعي فريد فارح.

"هكذا نتحدث في الجزائر, ولا أفهم ما يغضب رئيسنا"
الأستاذ محمد فارح

 
كثيرون مثل فارح يرون أن على المشارقة أن يبذلوا بعض الجهد وحينها ستتكشف لهم بالتأكيد المعاني.
 
لقد سعت السلطات منذ الاستقلال إلى إعطاء الأولوية لتدريس اللغة العربية على اللغة الفرنسية, التي بدأت تنحسر وينحصر نطاق إجادتها بين كبار السن, وكلما صغر السن كلما قل الإلمام بها.
 
ورغم أن الجزائر تعتبر من بين الدول الفرنكفونية بامتياز سواء من حيث استعمالها اليومي لغة تخاطب أو في الإدارات فإنها رفضت الانضمام إلى منظمة الدول الفرنكفونية, لاعتبارات سياسية.
 
بالنسبة للشيوخ, كلام شاب مثل أنيس لا يعدو أن يكون أصواتا نشازا, لكن أستاذ علم الاجتماع ناصر جابي يراه مجرد انعكاس لواقع الحال ببلد نسبة الشباب فيه 70%, قائلا إن "الشباب الجزائري لا يعاني مشكلة تواصل, ومن يعانونها هم من تعدوا الستين من العمر".
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة