الراحلون الرائعون   
الخميس 1437/2/29 هـ - الموافق 10/12/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:30 (مكة المكرمة)، 12:30 (غرينتش)

أمير تاج السر

منذ فترة قليلة، رحل الكاتب المصري الرائد إدوار الخراط عن عمر عانق التسعين، وكان حتى عهد قريب ممتلئا حيوية، ومضيئا بشدة سواء على الصعيد المحلي في بلاده، أو على أصعدة أخرى في العالم العربي وفي البلاد التي ترجم إليها إبداعه، مثل فرنسا وألمانيا.

أعتبر إدوار الخراط من الكتاب الجيدين فعلا، الذين لهم بصمات خاصة بهم، لم تتغير إلا بتغير الأفكار التي يستخدمونها في كتاباتهم. ومن روائعه "رامة والتنين"، "حجارة بوبيلّو"، "يقين العطش"، "محطة السكة الحديد"، وهي رواية قصيرة قال الخراط إنه كتبها ثلاث مرات قبل أن ينشرها، وبدت أشبه بالمتاهات الممتعة التي ما أن تخرج من إحداها حتى تدخل أخرى.

نجد تلك البصمة الحقيقية المميزة لأسلوب الخراط، تماما كما نعثر على بصمة ماركيز في أعماله، ويوسا في أعماله، وعدد آخر من الكتاب العرب والعالميين ممن ملؤوا حياتنا زخما جميلا. أسلوب الخراط يحتفي بالشعر كثيرا، ولا أقصد أنه يهتم باللغة فقط، ولكن يهتم باللغة وظلالها، من دون أن يفارق فكرته، وحبكته الدرامية.

تعرفت على كتابات الخراط باكرا أثناء بحثي الأول عن ينابيع الكتابة التي قد تطفئ العطش، وكان ينبوعا حقيقيا أطفأ كثيرا من عطش تلك السنوات، وتعرفت إليه شخصيا أو إنسانيا، متأخرا بعض الشيء حين التقيته أواخر التسعينيات من القرن الماضي، بعد صدور روايته الكبيرة "يقين العطش"، وحصلت منه على نسخة قرأتها بمتعة كما أذكر. وتزامنت تلك المعرفة، مع لقائي بالفنان عدلي رزق الله، وكان رائعا آخر، في مجال آخر، رحل أيضا.

رحل جمال الغيطاني الذي لم يكن كاتبا عاديا منغمسا في كتابة الروايات، وينتظر ما يقال عنها من النقاد والقراء، لكنه أسس نفسه بكثير من الصبر والمثابرة على مدى نصف قرن

الحساسية الجديدة
لقد كنت فقيرا إبداعيا في ذلك الوقت، لم أكتب كثيرا، وكانت القراءة تسعدني، وتمدني بكثير من الإيجابيات التي استخدمتها بعد ذلك في ما كتبته. لقد كان الخراط وبجانب كتابته المتميزة التي لا تشبه كتابة الآخرين، مبتكرا لما سماها "الحساسية الجديدة".

وكانت تلك الحساسية إنتاجا كتبه هو وكتبه كثير من الشباب الذين ظهروا في ذلك الوقت. والمتتبع لما أنتجته دار "شرقيات" بالقاهرة، في فترة ازدهارها منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وما قدمته دار ميريت العظيمة، وتقدمه حتى الآن، يعثر على ملامح الحساسية الجديدة كاملة في أجيال من كتاب الرواية في مصر، وأيضا من كتاب عرب تأثروا بمصر وإنتاجها بلا شك.

منذ فترة قليلة أيضا، رحل جمال الغيطاني، وهو أيضا لا يبدو كاتبا عاديا منغمسا في كتابة الروايات، وينتظر ما يقال عنها من النقاد والقراء، لكنه أسس نفسه بكثير من الصبر والمثابرة، وعلى مدى نصف قرن كتب ما يمكن أن يعد مدرسة حقيقية، لها مقرر كبير يمكن دراسته والاستفادة منه.

بجانب القصص القصيرة والكتابات الصحفية، تأتي ملاحم التراث التي كتبها الغيطاني مستفيدا من ينبوع العرب الكبير الذي لا نستفيد منه كثيرا, للأسف، فالعرب يملكون تراثا عظيما كما نعرف، وما كتبُ مثل "ألف ليلة وليلة"، و"كليلة ودمنة"، و"الأغاني" للأصفهاني، إلا بوابات فقط، ويمكن عن طريقها الولوج إلى ذلك التراث والاستفادة منه.

استفاد الكتاب اللاتينيون من الخيال الكثيف المستخدم في تلك الكتب العربية، المترجمة إلى لغتهم، وابتدعوا الواقعية السحرية، أو بالأحرى قادوها إلى العصر الحديث، بنكهة، وكانت موجودة في الأصل

الواقعية السحرية
وقد ذكرت مرة، كيف استفاد الكتاب اللاتينيون من الخيال الكثيف المستخدم في تلك الكتب العربية، المترجمة إلى لغتهم، وابتدعوا الواقعية السحرية، أو بالأحرى قادوها إلى العصر الحديث، بنكهة، وكانت موجودة في الأصل.

لقد قرأت "الزيني بركات"، أشهر ما كتبه الغيطاني، أيضا أيام قراءتي المبكرة، لعل ذلك كان في منتصف ثمانينيات القرن الماضي -لا أذكر بالتحديد- وأظنها كانت من نوع الروايات التي تعتبر نقلة، أو خطوة جيدة التصويب في مسار الرواية العربية عموما.

من عبق التاريخ إلى عالم الفنتازيا، كتب الغيطاني "وقائع حارة الزعفراني"، وهي من روايات الفنتازيا العربية الأولى، إن لم أكن مخطئا. يقدم الكاتب هنا جديدا لا غبار عليه ولا يكتفي بالمنجز الذي يعمل عليه الناس، وأعني منجزا مستقرا من زمن توفيق الحكيم ويحيى حقي وطه حسين، رواد الكتابة الحديثة لدينا.

لقد ذكرت وأذكر دائما، الراحل عبد الحكيم قاسم (1935-1990)، وهو في رأيي موهبة عظيمة من ذلك النوع من الناس الذين كان ولا بد أن يصبحوا كتابا أو شعراء أو سينمائيين.

كان يملك آفاق الكتابة الرحبة المضيئة التي تنظر إلى ما وراء الأشياء، ويملك أخلاق الكتابة التي تجعل من أعماله محطات محترمة وظليلة، يتوقف عندها الجميع ليستظلوا ويتزودوا.

وأفخر دائما بأنني كنت صديقا لعبد الحكيم، ومستمعا جيدا لنصائحه بشأن الكتابة ومستفيدا منها إلى حد ما بدأت الكتابة السردية، ودائما ما أتذكر روايته "طرف من خبر الآخرة" التي فيها رائحة الموت الكثيفة، جنبا إلى جنب مع الكتابة الصوفية الرشيقة التي تعانق الوجدان، وأظنها من الروايات التي يمكن أن نسميها: خالدة تبقى على مر الأجيال. وله رواية "أيام الإنسان السبعة"، وهي من الروايات الجميلة التي تبقى في الأذهان إلى الأبد، أيضا.

الراحلون الرائعون كثيرون بلا شك، وفي كل يوم يرحل فيه مبدع جديد، يضاف إلى لائحة الخسارات اسما، لكن ذلك يحفز أيضا على النظر في إبداعه الذي تركه، ومعاينته بعيون جديدة، وأذهان جديدة، وتقديمه للأجيال اللاحقة بما يليق.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة