رواية "اللص والكلاب" ومشكلات الرمز الصوفي   
الخميس 22/9/1436 هـ - الموافق 9/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:22 (مكة المكرمة)، 13:22 (غرينتش)

ناصر يحيى/ صنعاء*

على مستويات عدة، حملت الرموز واللغة الصوفية الموغلة في الغموض والرمزية قدرا هائلا ومفزعا أحيانا من الإشكاليات الدينية والمعرفية والنفسية والسلوكية، وتسببت في انحرافات وأوهام وعداوات "حيث لكل لفظ معنى غير معناه".

وحتى لو قيل من باب التفسير أو التبرير أنها تحمل خيرا للإنسان، إلا أن المحصلة لم تكن ميسورة الفهم أمام عقول البسطاء والعامة من المريدين الذين أرادوا منها أن تكون حبل نجاة، وليس دوامة متاهات وألغاز وأحاج تتسلل فيها انحرافات وأباطيل ما أنزل الله بها من سلطان.

أسوأ ما في هذه الرمزية المفرطة في اللغة الصوفية التي اتسم بها تاريخ الفرق الصوفية أنها ألقت بظلالها القاتمة على نهج سلوكي وتربوي ينفع في حالة برئ من الخلل في أن يسهم في تهذيب الأخلاق وتقويم السلوك، وتعزيز مسار التدين في الشخصية الإنسانية في إطار الفهم الوسطي المعتدل للإسلام.

وقد دفعت الأمة ثمنا غاليا لهذه الرمزية المفرطة في حالة الجمود الخضاري، والسلبية القاتلة، والانصراف عن تعمير الدنيا بالدين، وترك الدنيا لأهل الأهواء والشهوات.

لص يبحث عن منقذ!
في رواية "اللص والكلاب" للأديب الشهير نجيب محفوظ، يبدو جانب من هذه الفجوة الشعورية والمعرفية بين الشيخ الصوفي علي الجنيدي واللص الخارج من السجن سعيد مهران الباحث عن حل لمأساته.

في القراءة الأولى للرواية، قد يدين المرء أسلوب الصوفي/الدين الغامض في تشخيص ومعالجة مشكلة الإنسان/ اللص الناقم على كل شيء، وقد تعرض للخيانة ويبحث عن الثأر

فبعد قضاء عشر سنوات في السجن بعد إلقاء القبض عليه وهو يمارس السرقة نتيجة وشاية مشتركة من مساعده وبالتعاون مع زوجته خرج مهران يبحث عن ثأره من الذين خانوه وسلبوه ماله وزوجته وابنته، وراح يبحث عن منقذ ومعين لتحقيق أهدافه الخاصة.

وفي سبيل ذلك، زار مهران الشيخ الصوفي الجنيدي (يمكن أن نعده رمزا للدين وليس فقط للنهج الصوفي) يبحث عنده عن حل لمشكلته، لكن يصطدم بفجوة شعورية بينهما تمثلت في أن مستوى التواصل بين الطرفين كان مقطوعا، ولا توجد قواسم مشتركة بين الصوفي واللص، رغم أن هذا الأخير يعترف بأن منزل الصوفي (أو الدين) مفتوح دائما لمن يريد أن يدخله!

في القراءة الأولى للحوارات الثنائية بين الرجلين/ الاتجاهين، قد يدين المرء أسلوب الصوفي/الدين الغامض في تشخيص ومعالجة مشكلة الإنسان/اللص الناقم على كل شيء، الذي تعرض للخيانة والباحث عن الثأر، فلم يجد عند الدين/الصوفي حلا سريعا ولا تفهما واضحا لمشكلته كما يظن، ووجد بدلا من ذلك من يطلب منه أولا أن يتحرر من سجن النفس والدنيا، وأن يتطهر ويقرأ القرآن، وكلما شرح اللص مشكلته وما بعانيه في الدنيا صرفه الشيخ إلى السماء:

- اليوم خرجت من السجن

- أنت لم تخرج من السجن!

- مولاي، قصدتك في ساعة أنكرتْني فيها ابنتي!

- يضع سرّه في أضعف خلقه!

- قلت لنفسي إذا كان الله قد مد له العمر فسأجد الباب مفتوحا.

- وباب السماء كيف وجدته؟

- لكني لا أجد مكانا في الأرض، وابنتي أنكرتْني!

- ما أشبهها بك!

- كيف يا مولاي؟

- أنت طالب بيت، لا جواب!

- كان أبي يقصدك عند الكرب.. وجدت نفسي.

- أنت تريد بيتا ليس إلا.

- ليس بيتا فحسب.. أكثر من ذلك، أود أن أقول اللهم ارض عني.

- قالت المرأة السماوية: أما تستحيي أن تطلب رضا من لست عنه راضيا!

قال سعيد برجاء: إني بحاجة لكلمة طيبة.

فقال في عتاب حليم: لا تكذب!   

حل من السماء
القراءة غير السطحية تكشف جانبا أعمق في كلام الصوفي الذي فهم أن مهران يريد فحسب من الدين أن يحل مشكلته الشخصية وفق ما يفهمه هو، وكما يريد هو، وليس وفقا للدين ووسائله..  ولذلك عندما حدد الشيخ له بداية الطريق بان الافتراق:

- خذ مصحفا واقرأ.

- غادرت السجن اليوم ولم أتوضأ.

- توضأ واقرأ!

- أنكرتْني ابنتي، وجفلت مني كأني شيطان، ومن قبلها خانتني أمها!

- توضأ واقرأ!

- خانتني مع حقير من أتباعي.

- توضأ واقرأ!

من أخطأ؟ الإنسان الغارق في الطين ودوامة محنته الباحث عن حل بعيد عن وحي السماء.. أم الصوفي الغائب في السماء الذي أراد من إنسان غارق في الأرض أن ينقذ نفسه أولا من.. نفسه!

سيقولون وقد قالوا بالتأكيد إن الدين/الشيخ يهرب من المشكلة البشرية وتقديم حل لها إلى السماء والصلاة وقراءة القرآن، لكن هاهنا يتمايز نهجان في الفهم والعمل: الإنسان الذي لجأ للدين وقت الكربة ليبحث عن حل حاسم لمشكلته دون أن يكون مستعدا أن يعطي أو يدفع الثمن -إن صح التعبير- في أن ينخلع من قوته ورأيه ليلوذ بقوة السماء ورأيها، وها هو يجادل بعناد، فلا يرضى أن يبدأ السير في طريق الدين كما دله عليه من جاء إليه بقدمه باحثا عن حل، فيرفض أن يتطهر وأن يقرأ القرآن ولو ليكون جاهزا للتعامل مع مصدر الإلهام والحل لمشكلته الحقيقية!  

عرف الشيخ الصوفي أن هذا الإنسان الواقف أمامه يريد أن يأخذ فقط:

- ألا تصلي الفجر؟

 [ .. فلم يستطع جوابا، إلى هذا الحد بلغ منه الإعياء.. وأقام الشيخ الصلاة، وما لبث سعيد أن غاب عن الوجود!]

ويستمر تشخيص المرض:

-أنت تعيس جدا يا بني!

- لمه؟

- نمت نوما طويلا، ولكنك لا تعرف الراحة كظل ملقى تحت نار الشمس، وقلبك المحترق يحن إلى الظل، ولكن يمعن في السير تحت قذائف الشمس، ألم تتعلم المشي بعد؟

- هل بوسعك بكل ما أوتيت من فضل أن تنقذني؟

- أنت تنقذ نفسك إن شئت!

ولخص الشيخ الصوفي مشكلة سعيد مهران بعبارة موجزة:

- سألتك أن ترفع وجهك إلى السماء وها أنت تنذر بأنك ستدفنه في الجدار!

أين الخطأ؟
من أخطأ؟ الإنسان الغارق في الطين ودوامة محنته الباحث عن حل بعيد عن وحي السماء.. أم الصوفي الغائب في السماء الذي أراد من إنسان غارق في الأرض أن ينقذ نفسه أولا من.. نفسه!

وأين الخطأ؟ في الإنسان الذي يرفض أن يوائم نفسه مع الله حتى وهو يطلب عونه.. أم في الصوفي الذي لم ينزل إلى الأرض فيأخذ بيد الإنسان دون غموض وكلمات لا يفهمها إلا الخاصة من المريدين؟

ربما يكون الطرفان أخطآ نوعا ما.. فعلاقة الإنسان بالدين لا يجوز أن تحكمها الأهواء والمصالح الشخصية، فيكون كالذي يعبد الله على حرف، والدعاة إلى طريق الله عليهم أن يقتربوا أكثر من الإنسان وروحه، ويتفهموا حاجاته ومشاكله ويجسروا الهوة التي يصنعها الجهل والهوى فتبعد الإنسان عن الله ويزين له الشيطان الانصراف عن طريق الله، لأنه موحش مليء بالغموض وتجاهل حاجته.
________________

* كاتب صحفي من اليمن

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة