ظاهرة الانتحار تقلق المجتمع التونسي   
الجمعة 23/4/1436 هـ - الموافق 13/2/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:33 (مكة المكرمة)، 11:33 (غرينتش)

خميس بن بريك-تونس

عندما حاول الشاب التونسي رأفت الانتحار قبل نحو 15 عاما، كان مُصمما على وضع حدّ لحياته التي يقول إنها كانت أشبه بجحيم بسبب ظروفه المعيشية السيئة وإحساسه بالغبن.

رأفت -الذي يبلغ حاليا 35 عاما- حاول الانتحار وهو في ريعان شبابه بعد تناوله مادّة سامة تسببت له في آلام حادة في بطنه، قبل أن تنقذه عائلته بأعجوبة في آخر لحظة.

يقول الشاب للجزيرة نت إنه عندما حاول الانتحار لم يكن يشعر لا بالخوف ولا بالتردد، مشيرا إلى أنه كان يعيش حالة من الانهيار العصبي لم يمكن قادرا على تحمّلها.

وكشف بأنّ الدافع وراء محاولته الانتحار رغم أنه كان يتلقى تعليمه الثانوي هو "الكره الشديد للمجتمع والظروف المعيشية السيئة والإحساس بالإهمال والضياع".

الشريف: تسجيل حالات انتحار أطفال يعكس الفشل في حماية هذه الشريحة (الجزيرة نت)

ضغوط اجتماعية
وعلى الرغم من أن هذه الحالة وغيرها تؤكد أن ظاهرة الانتحار في تونس قديمة، لكن الوقائع والأرقام تؤكد أنها لا تزال مستمرة خصوصا بعد الثورة، حيث أصبح المجتمع يواجه ضغوطا اجتماعية واقتصادية ونفسية متزايدة.

ورغم أنّ الموضوع على درجة كبيرة من الأهمية، فإنّ الدراسات حول الظاهرة لا تزال مفقودة، في غياب إحصاءات رسمية من وزارة الصحة ترصد حالات الانتحار من عام إلى آخر.

ومؤخرا أعلنت منظمة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية عن دراسة كشفت فيها عن تزايد حالات ومحاولات الانتحار خلال سنة 2014 الماضية.

وتشير الدراسة إلى تسجيل 153 حالة انتحار و50 محاولة انتحار، وتصدر الذكور ضحايا هذه الحالات والمحاولات. واللافت أن قائمة المنتحرين تضم شبابا وأطفالا وشيوخا بحسب تلك الدراسة.

انتحار الأطفال
يقول رئيس جمعية الدفاع عن حقوق الطفل معز الشريف إن تسجيل حالات انتحار خصوصا لدى الأطفال "أمر يدعو إلى الفزع ويعكس مدى فشل الدولة في حماية هذه الشريحة".

ويشرح أنّ لجوء الأطفال للانتحار يعود إلى عدّة أسباب من بينها انعدام الحوار داخل الأسرة، وتراجع دور المؤسسات التربوية، والانقطاع عن الدراسة، والعنف المسلط على الأطفال، والإدمان.

ويرى الشريف -وهو مختص في طب الأطفال- أن آليات الحوار التي تساعد الأطفال على تجاوز صعوباتهم "تكاد تكون منعدمة" في الوسط العائلي، في ظل انتشار الوسائط المتعددة.

وكشف أن من العوامل التي تقود الأطفال إلى الانتحار "فشل المنظومة التربوية والمربين في الإحاطة بهم"، مؤكدا أن "المدارس لم تعد فضاء للتنشئة والتربية بل أصبحت مجرد مكان تعليم".

وبرأيه فإن تدني دور المربين والمدارس أدى إلى تسجيل أكثر من مائة ألف انقطاع عن التعليم سنويا، مشيرا إلى أن الدولة لم تقم بأي إجراءات للاهتمام بهؤلاء المنقطعين عن الدراسة.

إلى ذلك، وجّه الشريف نقدا لاذعا إلى الأساتذة والمربين الذين قال إن همهم الوحيد أصبح حماية مصالحهم القطاعية عبر شن إضرابات متتالية من أجل زيادة الأجور والمنح.

وانتقد بشدة توجه الحكومات المتعاقبة في حماية الطفولة ووقايتها، مشيرا إلى أنّ "موازنة وزارة المرأة شهدت تخفيضا بما يوحي بأن هناك لا مبالاة بالمخاطر المحدقة بالأطفال".

الشرفي: الدراسة ليست مبنية على معطيات علمية دقيقة (الجزيرة نت)

تشكيك
ومن وجهة نظر الطبيبة النفسية فاطمة الشرفي، فإنّ الخوض في أسباب الانتحار قد يعود بعواقب وخيمة، داعية إلى الحديث بتحفظ عن الظاهرة حتى لا تتسع رقعتها أكثر.

وقالت للجزيرة نت إنّ منظمة الصحة العالمية كانت أوصت المهنيين بعدم التطرق بالتفصيل لظاهرة الانتحار، خصوصا في فترة تسجيل موجة من حالات ومحاولات الانتحار.

وحول رأيها في الدراسة المذكورة، تقول الشرفي إنها ليست مبنية على معطيات علمية دقيقة، مبينة أنه لا يمكن الوثوق في صحتها لمعرفة تطور ظاهرة الانتحار في تونس سنويا.

وتضيف أن ظاهرة الانتحار لا تزال من المواضيع المحرمة التي تجبر عائلات على إخفاء محاولات الانتحار لديها خوفا من الضجة والفضيحة، موضحة أن ذلك يؤثر على نتائج الإحصاء.

وكشفت الشرفي -وهي طبيبة في إحدى المستشفيات الحكومية- أن وزارة الصحة كلفت أطباء ومختصين بالقيام بدراسة علمية حول ظاهرة الانتحار، مؤكدة أن الدراسة ستنشر عندما تكتمل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة