فولكر براون.. سيرة شعر إنساني ضد الغطرسة   
الاثنين 8/5/1437 هـ - الموافق 15/2/2016 م (آخر تحديث) الساعة 18:40 (مكة المكرمة)، 15:40 (غرينتش)

نزار الفراوي-الدار البيضاء

يقدم الشاعر الألماني فولكر براون نموذجا متفردا لمبدع عايش تحولات درامية كثيرة للبشرية منذ منتصف القرن العشرين، لكنه يظل ممسكا بجمرة الانتماء إلى مدار الإيمان بالإنسانية كأفق للتجربة الشعرية، يستلهم مبادئ التعددية والاختلاف والتسامح ومناهضة الهيمنة والأحادية في عالم القوة الهوجاء والفوضى.

بابتسامة وديعة في وجه الغرباء، وبنمط حياة وسلوك تسمه بساطة وتواضع شديدان، ومراهنة على العيش في الظل والانحياز للهامش، يواصل براون نحت قصيدة "مقاومة" لا تهادن في وجه مظالم السياسة واختلالات النظام العالمي وتكريس التحكم في رقاب المستضعفين.

إنها قصيدة هامسة تتوسل بروح "صوفية" لا يخفي صاحبها أن جانبا من مرجعياتها مستمد من التراث العربي الإسلامي بوصفه شخصية منفتحة على مصادر فكرية وروحية مختلفة صنعت البعد الكوني لنصه الشعري.

سقوط بغداد يعادل في وعي فولكر براون سقوط مدينته دريسدن في الحرب العالمية الثانية. ففي كلمته لدى تتويجه بمدينة الدار البيضاء بجائزة الأركانة العالمية للشعر، التي يمنحها سنويا بيت الشعر في المغرب، قال بروان الذي كان المثقف المنبوذ من قبل السلطات الشمولية زمن ألمانيا الشرقية "أنا أنحدر من مدينة دريسدن التي سقطت أثناء الحرب العالمية الثانية يوم 13 فبراير/شباط 1945، ولذا لم أستطع أن أرى بغداد وهي تسقط هكذا أمام عيني. هذه الألفية الجديدة تذكرنا بزمن العنف الإمبراطوري".

فولكر براون (يمين) يتسلم جائزة أركانة العالمية للشعر في حضور وجوه أدبية مغربية وعربية (الجزيرة)

ضد هذا العنف، يتمسك براون بالمهمة المقدسة للشعر، "إذا كان هدف العمليات العسكرية هو زراعة الخوف والرعب، فإن الشعر قد اختار أن يسلك طريق الجرأة والصمود. ولذلك لا يمكن أن نواجه جنون القوة إلا بالحكمة والعقل". إن وظيفة الشعر عنده هي التفكير في السلام "دون أن ننسى أن ديوان هذا الشعر يختزن بين طياته أنفاس الشعوب، شهقاتها وزفراتها أيضا".

يستدعي فولكر تراث محيي الدين بن عربي وهو يتأمل في نسغ الحب من خلال أنفاس العشاق وآهاتهم. عن هذا العمق الروحي والجسدي لابن عربي في الاقتراب من الحب، لا يتردد سليل هولدرلين وريلكه في القول بإعجاب "بهذه الدقة الخارقة تحديدا يبدأ الشعر". كذلك يذكر باستلهام غوته، شاعر ألمانيا الأعظم، لنبرة السور القرآنية، خصوصا في لغتها "الجسدية" التي تتقفى حضور المشاعر المجردة في حواس الإنسان: "رب اشرح لي صدري" (طه: 25).

يبدي الشاعر الألماني إعجابا بكون الشعوب العربية لا تزال تقرأ امرؤ القيس دونما صعوبة كبيرة ويستدعي رحلته إلى صنعاء حيث سمع قصيدة ضد الحرب يعود تاريخها إلى 1500 عام، وصيغة ترحيب بالضيف تعود إلى التاريخ ذاته.

بالنسبة له "هذا الاهتمام بالآخر والغريب، وهذا الاختلاف في التجارب والأشكال هو ما يساهم في إغناء انصهار القارات الذي كان يحلم به الشاعر رامبو". من هذا الإيمان الثابت بالتعددية والاختلاف، لا يتوانى براون عن القول إن قصيدته "تشترط قارئا للشعر الإنساني"، ذلك الشعر الذي يعكس التلاحم بين الشعوب المختلفة، وتلك القصيدة التي "تتحدث في لحظتها لغة أكثر جذرية من أي برنامج سياسي".

يبدي الشاعر الألماني إعجابا بكون الشعوب العربية لا تزال تقرأ امرؤ القيس دونما صعوبة كبيرة ويستدعي رحلته إلى صنعاء حيث سمع قصيدة ضد الحرب يعود تاريخها إلى 1500 عام، وصيغة ترحيب بالضيف تعود إلى التاريخ ذاته

وعي ورهافة
جاء براون إلى المغرب حاملا لصيت كبير وهو الذي حصل على جوائز كثيرة ولقي ترحيبا واسعا في صفوف النقاد والقراء، خصوصا بعد توحيد الألمانيتين. لكنه بدا منتشيا بسعادة خاصة أن يكرم في جزء من هذا العالم العربي القريب البعيد إلى أوروبا.

إنه اختيار بررته لجنة التحكيم بكون فولكر ظل يكتب "قصيدة تنعتق من أشكال التقليد من دون أن تتنكر لروح التراث الشعري أو تنجر وراء حداثة مبتورة"، وسجلت في بيانها أن الشاعر "يتأمل قضايا الإنسان والمجتمع والعالم انطلاقا من رؤية شعرية وفلسفية ثاقبة تتجدد باستمرار، وهو ما أمن له الإسهام في إثراء الشعر الألماني والأوروبي والإنساني بتجربة عميقة تجمع بين حيوية الوعي النقدي ورهافة الحس الشعري".

ولد فولكر براون يوم  7 مايو/أيار 1939 في دريسدن. فقد والده في آخر أيام الحرب العالمية الثانية. درس الفلسفة في جامعة كارل ماركس في لايبتسيغ بين 1960 و1964، وانتقل بعد تخرجه في عام 1965 إلى برلين الشرقية، وفي نفس العام صدر له ديوانه الأول "استفزاز لي".

جاءت أعمال براون الشعرية والمسرحية والنثرية مناهضة للوضع السياسي والأيديولوجي المهيمن على ألمانيا الشرقية. فقد دأب على انتقاد الاشتراكية الواقعية، وطالب بالإصلاح، ورفض الإذعان لسلطة أجهزة الدولة المُستبدة. إنها سيرة أدب يقاوم الظلم وينحاز للمظلومين ويؤمن بوحدة الإنسانية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة