"العدو لن ينام" في كيسمايو   
الأحد 1433/11/14 هـ - الموافق 30/9/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:37 (مكة المكرمة)، 12:37 (غرينتش)
آلاف الأسر غادرت كيسمايو ومصير مجهول ينتظر المدينة (الفرنسية)
 
مجدي بدوي

بعد خمس سنوات من صعودها العسكري والسياسي في الصومال، تلقت حركة الشباب المجاهدين  سلسلة ضربات متوالية وموجعة العام الحالي، جعلتها تفقد معاقلها في المدن الإستراتيجية واحدا تلو الآخر، إلى أن تخلى مقاتلوها عن مرفأ كيسمايو، آخر معاقلهم في الصومال الذي هاجمته طائرات القوات الكينية، في ما يعتبر حلقة فاصلة في تاريخ الحركة، وفصلا جديدا في مأساة البلاد التي تعيش حربا أهلية منذ 21 عاما.
 
وإذا كانت الحركة قد فقدت عددا من معاقلها خلال عام، فإن هذا المعقل الأخير يعد الأهم بالنسبة لها سياسيا وعسكريا واقتصاديا، فكيسمايو أهم مدن جنوب الصومال، وتبعد 500 كلم عن العاصمة مقديشو، وبها مطار وميناءان دوليان، وكانت آخر معاقل المحاكم الإسلامية وسقطت بيد القوات الإثيوبية مطلع عام 2007، إثر هجوم مشترك للقوات الحكومية الصومالية والجيش الإثيوبي الذي تدخل لدعم الحكومة الصومالية الانتقالية.
 
كان سقوط كيسمايو في يد الحركة مؤشرا على بداية انهيار الحكومة الانتقالية في ذلك الوقت، وإيذانا بخروج القوات الإثيوبية. وباندحارهم منها قبل يومين يفقد "الشباب" المنفذ الاقتصادي الذي صدروا منه في السنوات الأخيرة الفحم وتسلموا من خلاله الأسلحة عبر المحيط الهندي.
 
ويرى السفير الكيني السابق في الصومال محمد عبدي أن السيطرة على كيسمايو "هي رسالة إلى حركة الشباب وجميع المجموعات الإجرامية الأخرى بأن اللعبة انتهت"، مضيفا "هناك حكومة شرعية في الصومال والجهود التي تبذلها كينيا تهدف إلى إرساء الاستقرار في كل أنحاء البلاد والسماح للحكومة الوطنية بالسيطرة بشكل تام على أراضيها".
 
حركة الشباب تعتبر انسحابها تكتيكيا
(الفرنسية-أرشيف)
تمويل خارجي
وقال المحلل يواكيم غونديل من مركز "برايد أناليتيكس" إن على حركة الشباب "أن تعول بشكل كبير على التمويل الخارجي الذي لن يحصلوا عليه بسهولة بعد سقوط أنظمة تدعم مجموعات متطرفة مماثلة"، في إشارة إلى ليبيا في عهد معمر القذافي.
 
في المقابل، ترى الباحثة لورا هاموند من معهد الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن أن خسارة كيسمايو "ضربة كبرى مني بها الشباب لكنها ليست نهاية الحركة"، لافتة إلى أن "الإسلاميين لا يزالون يسيطرون على أقسام كبيرة من الجبال الجنوبية وبعض المدن الصغيرة".
 
وأقرت بأن الشباب كانوا يحظون بنوع من التأييد الشعبي في جنوب الصومال، وأنه "منذ ستة أعوام يوفر هؤلاء الأمن لمنطقة في حاجة ماسة إليه. وللقضاء فعليا على الشباب، على الحكومة الجديدة أن تثبت لمناصريهم أنها قادرة -على الأقل- على ضمان هذا الأمن بالمقدار نفسه".

تحذيرات

من جانبها تعتبر الحركة انسحابها من
كيسمايو "تكتيكيا" إثر الهجوم الذي شنته القوات الكينية المنضوية في إطار قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) التي تضم 17 ألف جندي إلى جانب فرقة من الجنود الإثيوبيين. 
 
وتوعدت الحركة بأن كيسمايو "ستصبح ساحة معركة بين المسلمين والغزاة الكفار"، كما توعدت بتكثيف الهجمات الانتحارية التي يشنها مقاتلوها في الصومال وكينيا المجاورة، وحذر المتحدث باسمها قائلا "لا نزال عند أبواب كيسمايو وسنقاتل والعدو لن ينام بسلام".
 
ويتوقع فعلا حصول حرب عصابات وأعمال عنف ردا على ذلك، بما فيه على الأراضي الكينية. وخوفا من المعارك، غادر كيسمايو في الأسابيع الأخيرة أكثر من 12ألف مدني وفق الأمم المتحدة، حيث يقدر عدد سكان المدينة بما بين 160 و190 ألف نسمة.

مهمة صعبة تنتظر الرئيس الصومالي الجديد حسن الشيخ محمود (الفرنسية)
وتساعد جغرافية كيسمايو مقاتلي الحركة على البقاء فيها أو قريبا منها، نظراً لما تتمتع به هذه المنطقة من غابات كثيفة يلوذ إليها المقاتلون في حال الخطر. ويعتقد المحللون أن الحركة ستبذل جهدها لحشد أهالي كيسمايو ضد القوات الحكومية والكينية باعتبارات قبلية أو دينية، كما فعلت نهاية عام 2008 لاسترداد المدينة.

ويعزز ذلك حالة الاستياء لدى قطاع كبير من الصوماليين يستنكر ما قامت به القوات الكينية في الآونة الأخيرة واتهامهم لها بقتل مدنيين عزل خلال عملياتها العسكرية ضد حركة الشباب.

معركة سياسية
وبعيدا عن التطورات الميدانية، فإن المعركة المقبلة في الصومال ستكون سياسية. فهذا البلد الذي يضم ثمانية ملايين نسمة قادته منذ عام 2000 سلطات انتقالية لا تتمتع بشرعية فعلية ولا برصيد شعبي.
 
لكن أصبح للصومال منذ أغسطس/آب الماضي برلمان جديد. ومنذ العاشر من سبتمبر/أيلول الحالي رئيس انتخبه هذا البرلمان هو حسن الشيخ محمود (56 عاما) الذي يحظى باحترام المجتمع المدني.

والمشكلة أن الحكومة الصومالية تعول على جيوش أجنبية لحفظ النظام، وهي مضطرة بحكم الأمر الواقع إلى ترك أمر الولايات لمليشيات وقبائل غالبا ما تخوض نزاعات، فالخلافات لا تزال قوية بين القبائل وإذا لم تتمكن الحكومة الجديدة من التعامل مع هذا الأمر، فإن حركة الشباب قد تستغل ذلك للعودة إلى الساحة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة