الكون مادة وطاقة.. وأمر آخر   
الاثنين 23/10/1435 هـ - الموافق 18/8/2014 م (آخر تحديث) الساعة 20:02 (مكة المكرمة)، 17:02 (غرينتش)

 فداء ياسر الجندي

هل لدى المدافعين عن نظرية دارون الحد الأدنى من الأدلة العلمية القاطعة على نظرية التطور؟ وهل صحيح ما يدّعون من أن الحديث عن وجود مصمم ذكي وراء نشوء الكون والحياة، هو حديث خارج نطاق العلم، أي حديث غير علمي، إنه برأيهم حديث في الدين وما وراء الطبيعة؟

لقد ظل أنصار نظرية دارون رغم تهافتها، مطمئنين على مدى قرن ونصف إلى أنها تفسر نشوء الحياة، إلى أن جاء اكتشاف بنية الحمض النووي في منتصف القرن الماضي، واكتشاف أن هذا الجزيء يحتوي على معلومات مبرمجة ومنسقة وفاعلة ومرتبة بشكل مذهل يشبه إلى حدٍّ خارق وعجيب المعلومات والبرامج الحاسوبية التي يعرفها الإنسان.

أدت هذه الاكتشافات المذهلة إلى تغير شامل في نظرة العلماء إلى الحياة ومكوناتها، فقبل ذلك كان الاعتقاد السائد أن الحياة هي مادة وطاقة، فتبين لهم أن هناك عنصرا ثالثا لم يكن معروفا من قبل، وقد يكون أهم هذه العناصر، وتبين لهم أن الحياة تتألف من مادة وطاقة و"معلومات".

وقد رأينا في مقال سابق أن المعلومات الموجودة في نواة كل خلية بشرية تعادل ألف مجلد ضخم، وأنها مرتبة ترتيبا مذهلا مدهشا، كما رأينا في مقال آخر أن هذه المعلومات مزودة ببرمجيات وأنظمة تشغيل وآليات تقوم بمعالجة هذه المعلومات للقيام بمهام حيوية لا غنى للحياة عنها، منها صناعة البروتينات، ومنها نقل الصفات الوراثية من الأسلاف للذرية.

والسؤال الجوهري: كيف نشأت هذه المعلومات وما يصاحبها من برمجيات وآليات ونظم تشغيل؟

دعونا أولا نحاول فهم المقصود بقولنا (معلومات منسقة وفاعلة)، وذلك من خلال القصة التالية التي يرويها لنا البروفيسور ستيفن ماير، وننقلها بتصرف عن كتابه "البينة في الخلية".

لعبة الاحتمالات
دخل الدكتور ستيفن ماير إلى قاعة المحاضرات حاملا معه كيسا مليئا بمربعات بلاستيكية يحتوي كل منها على حرف من حروف الأبجدية، ثم سأل كل طالب أن يسحب حرفا من الكيس ويكتب هذا الحرف على السبورة، فكانت النتيجة حروفا متوالية، ولكنها غير مرتبة ولا تعني شيئا، ثم قال لطلابه: دعونا نجرب مرة أخرى، أعاد الحروف إلى الكيس وأعاد الكرة، فنشأت مجموعة أخرى من الحروف المتوالية بلا معنى، وشرع يعيد ويعيد ولم يحصل على شيء.

ثم أرسل الدكتور أحد الطلاب إلى المكتبة ليأتي له بكتاب منها، وعندما عاد الطالب إذا به يجد على السبورة حروفا مرتبة بجملة مفيدة هي مقولة شكسبير الشهيرة: "أكون أو لا أكون"، فقال الطالب: هل هذه لعبة جديدة؟ هل أصبح المطلوب تركيب جمل شهيرة؟ فقال له الأستاذ: أبدا، كنا نمارس اللعبة نفسها في غيابك فكان أن ترتبت الحروف وصاغت هذه الجملة، عن طريق سحب الحروف من الكيس، ففغر الطالب فاه وقال: لا تقولوا لي إن هذا الترتيب نشأ من السحب العشوائي في غيابي!! فقال له الأستاذ: نعم، هو كذلك، فقال الطالب: هذا مستحيل، فهذه جملة مفهومة مرتبة بلا أي خطأ، ولا يمكن أن تحصلوا عليها خلال غيابي القصير في المكتبة.

كتابة الشعر أو النثر ذي المعنى، وبشكل عام الحصول على أي معلومات منسقة ومرتبة وذات فاعلية أو وظيفة تؤديها، لا يتم إلا إذا كانت خلفه إرادة واعية وعقل مفكر

قال الأستاذ: كلامك صحيح تماما، وحق لك أن تندهش، وقد بينت أنت أسباب اندهاشك، وهما سببان: الأول هو وجود جملة لها معنى، والثاني أن ذلك حصل في فترة قصيرة جدا لا تتجاوز دقائق معدودة، لكن علينا الآن أن نبرر هذه الأسباب علميا، تفضل بالجلوس مكانك ودعنا نناقش الأمر.

ويتابع الأستاذ: لو أنك وجدت حروفا مرتبة بشكل عشوائي لا معنى له لما قلت مستحيل، فما هو الفرق بين هذه الجملة وبين الحروف التي كانت تظهر في السحوب السابقة حتى يكون ظهور هذه الجملة مستحيلا، وظهور غيرها ممكنا؟

جواب هذا السؤال بسيط وواضح، إن ما نعرفه من تجاربنا البشرية، وخبراتنا المتراكمة على مرِّ العصور، وما يقوله العقل والعلم والمنطق، أن كتابة الشعر أو النثر ذي المعنى، وبشكل عام الحصول على أي معلومات منسقة ومرتبة وذات فاعلية أو وظيفة تؤديها، لا يتم إلا إذا كانت خلفه إرادة واعية وعقل مفكر، ولا يكون بطرق عشوائية لا إرادة ولا عقل وراءها، وهذا ما جعلك تقول "مستحيل" عند رؤيتك للجملة المفيدة، مع أن الحروف العشوائية التي تظهر في السحب العادي يمكن اعتبارها معلومات، شأنها شأن أي مجموعة من حروف متتابعة، ولكن ليست كل المعلومات فاعلة وموجهة ومرتبة.

قانون رياضي
وأضاف الدكتور ماير: ولتقريب ذلك، ولبيان الفرق بين المعلومات العشوائية وتلك الفاعلة، سنضرب مثالا آخر. هب أنك تريد أن تتصل بصديقك جون هاتفيا ولكنك نسيت رقمه المؤلف من عشر خانات، ثم رحت تضغط على أزرار الهاتف بشكل عشوائي، فستحصل بعد كل عشر ضغطات على رقم هاتف، ولكن هل هو رقم جون؟

إن الأرقام التي ستحصل عليها بعد كل عشر ضغطات لا فرق بينها عمليا وبين رقم جون، فكلها أرقام من عشر خانات، غير أن رقم جون مرتب ترتيبا معينا يجعله ذا معنى ويجعله فاعلا ومؤثرا وينتج عن ترتيب خاناته حدث معين هو الاتصال بشخص معين لا غير.

العشوائية لا يمكن أن تنتج معلومات فاعلة منسقة ذات وظيفة محددة وهدف واضح، فماذا نقول إذن عن أكثر من ألف مجلد من المعلومات المرتبة التي تحتويها الخلية الواحدة

والفرق بين رقم جون وكل رقم تحصل عليه عشوائيا، هو الفرق نفسه بين مقولة شكسبير وأي ترتيب آخر لحروف هذه المقولة، فالمعلومات الموجودة في أحرف مقولة شكسبير، وتلك الناتجة عن ترتيب خانات رقم جون هي معلومات فعالة مرتبة ذات وظيفة وليست عشوائية، أما أي ترتيب آخر لحروف المقولة أو لخانات رقم الهاتف، فهي معلومات، ولكنها عشوائية لا معنى لها، وليس لها أية وظيفة أو تأثير.

والآن، لنفرض أنك حاولت الاتصال بصديقك عن طريق الضغط العشوائي على أزرار الهاتف عشر مرات على أمل أن يحالفك الحظ بالحصول على الرقم المطلوب، فكم من المحاولات يلزمك حسب علم الاحتمالات للحصول على الرقم المطلوب، وكم من الوقت سيستغرق ذلك؟

إن الأرقام التي يمكن توليدها من العددين 1 و2 هي أربعة: 11، 22، 12، 21، أي 2 مضروبة في نفسها، أما الأرقام التي يمكن توليدها من الأعداد 1 و2 و3 فهي سبعة وعشرون رقما: 111، 112، 113.... إلخ. أي 3 مضروبة في نفسها ثلاث مرات، أو بتعبير رياضي 3 مرفوعة للقوة 3.

وعلى هذا المنوال فإن العلم يقول لنا إن عدد الأرقام التي يمكن الحصول عليها من إعادة ترتيب عشر خانات هي 10 مضروبة بنفسها عشر مرات، أي رقم يتألف من العدد 1 وعلى يمينه عشرة أصفار، أي عشرة آلاف مليون رقم! ولو أن كل محاولة تستغرق منك خمس ثوان فقط، فإن الزمن اللازم لك لتجرب كل الأرقام الممكن تركيبها من الخانات العشر، هو 1585 سنة فقط!! وهذا للحصول على رقم من عشر خانات فقط، وليس للجملة الطويلة التي كانت على السبورة.

وهذا ما يبرر قولك "مستحيل" بفطرتك دون القيام بهذا الحساب، لأن العقل والعلم والمنطق يقول إن الأستاذ والطلاب كونوا هذه الجملة بإرادتهم الواعية وعقلهم المفكر خلال غيابك القصير، وإنك لو أردت الحصول على رقم جون فمن الجنون أن تحاول عشوائيا رغم أن رقمه لا يزيد على عشر خانات، بل ستحاول الحصول على الرقم من مصدر "عليم" ذي إرادة واعية وعقل مفكر مثل أن تتصل بصديق يعرف رقمه، أو تتصل بدليل الهاتف.

وهنا يصل الدكتور ستيفن إلى بيت القصيد، بعد أن تيقن طلابه بالدليل والعلم والحساب، أن المعلومات الفاعلة المنسقة، حتى لو كانت جملة بسيطة، أو رقما صغيرا، تحتاج لإرادة واعية وعقل مدرك حتى يتم إنتاجها، وأن العشوائية لا يمكن أن تنتج معلومات فاعلة منسقة ذات وظيفة محددة وهدف واضح (عبارة ذات معنى أو رقم هاتف محدد)، وأن علم الاحتمالات يخبرنا أننا نحتاج لعدد فلكي من المحاولات وزمن طويل جدا لإنتاج معلومة من عشر خانات، فماذا نقول إذن عن أكثر من ألف مجلد من المعلومات المرتبة المنسقة الفاعلة ذات الهدف الواضح والوظيفة المحددة والتي تحتويها الحموض النووية الموجودة في نواة خلية واحدة؟

عجز الدراوينيين
ما هو التفسير لوجود مثل هذه المعلومات في هذا الحيز المتناهي في الصغر وبهذا الترتيب المذهل؟ ليس هذا فقط، بل إن هذه المعلومات الهائلة مرفقة ببرمجيات على أعلى درجة من الدقة والكفاءة ولم يكتب مثلها بشر، وبتعليمات تشبه نظام التشغيل الذي ينفذ البرمجيات في الحواسيب، فهل هناك تفسير لذلك كله أكثر وضوحا وأشد إقناعا من أن وراء هذه المعلومات إرادة واعية وعقل مدرك ومصمم ذكي؟

عجز الداروينيون عن المجيء بتفسير مقنع لوجود المعلومات في الكائنات الحية، وعندما تحاصرهم بالسؤال لا يجيبون ويتهربون

لقد عجز الداروينيون حتى اليوم عن المجيء بتفسير مقنع لوجود المعلومات في الكائنات الحية، وعندما تحاصرهم بالسؤال لا يجيبون ويتهربون، وإن أجابوا فسيقولون: نعم ليس لدينا تفسير مقنع لذلك، ولكننا أيضا لا نسلم بوجود مصمم وراء هذا التصميم لأن هذا معناه الاعتراف بوجود الإله، وبالتالي الانتقال إلى مفهوم ديني، وهذا أمر غير علمي، ونحن قوم لا نؤمن إلا بالعلم..!

يا سبحان الله! أليس العلم والمنطق والعقل، كلها تقضي كما رأينا، باستحالة وجود معلومات معقدة وفاعلة وذات وظيفة محددة وموجهة بغير مصمم أو فاعل أو إرادة واعية؟

كيف إذن يرفضون ما يؤدي إليه العلم والمنطق، ثم يدّعون بعد ذلك أنهم أهل العلم؟ ويصفون من يتبع المنهج العلمي والأدلة القاطعة بأنه لا يسير في ركاب العلم؟

عذرا، لن نتجاهل عقولنا ولن نتنكر للمنطق والعلم والعقل، حتى نسلم بأن هناك أي تفسير لوجود هذه المعلومات المذهلة الخارقة دون أن يكون وراءها مصمم ذكي وإرادة واعية وهدف محدد.
ألا ما أصدق وأوجز وأحكم ما قاله المتنبي:

وليس يصحُّ في الأفهام شيءٌ * إذا احتاج النهار إلى دليلِ

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة