هل أجبر درس العراق ليبيا على خيار التنازلات؟   
السبت 1424/10/27 هـ - الموافق 20/12/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)
القذافي يواصل محاولات استرضاء الغرب (أرشيف - الفرنسية)

أحمد فاروق

بإعلانها رسميا التخلي عن إنتاج أسلحة الدمار الشامل أكدت ليبيا جديتها في فتح صفحة جديدة من العلاقات مع الغرب وقطعت خطوة كبيرة لاستكمال الخروج من العزلة الدولية التي عانتها منذ أكثر من عشر سنوات.

طرابلس أنهت بذلك الملف الرئيسي الثاني للمواجهة مع واشنطن ولندن بعد قضية لوكربي مما دفع الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى إعلان أن قرار ليبيا التخلص من برامج التسلح وضعها على الطريق السريع للعودة إلى المجتمع الدولي.

فقد أزيح الستار عن مفاوضات سرية جرت منذ تسعة أشهر بين خبراء ليبيين وأميركيين وبريطانيين، أي أنها تزامنت مع بدء الاستعدادات لغزو العراق الذي روجت له الولايات المتحدة وبريطانيا تحت شعار محاربة أسلحة الدمار الشامل.

المفاوضات انتهت باعتراف ليبي صريح بامتلاكها الأسلحة المحظورة كانت تنفيه لعدة سنوات إلى جانب تعهدات بتوقيع البرتوكول الإضافي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية والخضوع لعمليات تفتيش وتدمير كل مخزونات الأسلحة والذخائر الكيميائية والانضمام إلى معاهدة منع الأسلحة الكيميائية.

ولم يكن غريبا أن تعلن تفاصيل الاتفاق قبل يومين فقط من الذكرى الخامسة عشرة لحادثة لوكربي، فهذه القضية كانت بداية لدخول ليبيا نفق العزلة السياسية والاقتصادية والتوصل لاتفاق بشأنها كان بداية الخروج من النفق.

الحكومة الليبية كانت قد أبرمت اتفاقا في أغسطس/ آب الماضي لدفع تعويضات تصل إلى 2.7 مليار دولار لعائلات ضحايا طائرة الركاب الأميركية التي انفجرت فوق بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988.

ولم يكن هذا التنازل الوحيد الذي قدمه الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، فقد وافقت بلاده على تحمل مسؤوليتها عن التفجير. ودفع ذلك الأمم المتحدة إلى رفع عقوباتها نهائيا عن طرابلس في سبتمبر/ أيلول الماضي بعدما تخلت فرنسا عن تهديدها باستخدام الفيتو ضد القرار بعد اتفاق مع ليبيا بشأن مسألة تعويضات طائرة ركاب فرنسية فوق النيجر عام 1989.

ويبدو من التصريحات الأميركية والبريطانية أن الاتفاق بشأن برامج التسلح الليبية كان مرضيا جدا لهما بل إن بوش وبلير سارعا إلى تأكيد أن الاتفاق يؤكد صحة سياستهما بضرورة الضغط على الدول التي تمتلك أسلحة محظورة بجميع الوسائل الدبلوماسية قبل اللجوء إلى القوة.

السنوسي البسيكري
ويرى المراقبون أن الولايات المتحدة تقدم بذلك رسالة واضحة إلى دول أخرى مثل كوريا الشمالية وإيران، فإما الانصياع على غرار ليبيا أو المواجهة على غرار العراق.

ويؤكد السنوسي البسيكري الباحث الليبي بمركز المنظور السياسي للبحوث السياسية ببريطانيا أن الاتفاق جاء تتويجا لحوالي عقد من محاولات السياسة الخارجية الليبية للانفتاح على الغرب.

وأضاف في تصريح للجزيرة نت أن طرابلس تعاملت ببراغماتية مع تطورات الوضع الإقليمي خاصة بعد غزو العراق واعتقال رئيسه المخلوع صدام حسين، وهو ما مثل ضغوطا شديدة على القذافي استجاب لها بالسير في الطريق الذي رسمته واشنطن ولندن لأن منحى المواجهة ليس في صالحه والعراق مثال واضح على ذلك.

واستبعد الباحث الليبي التطبيع الكامل في العلاقات بين طرابلس وواشنطن على المدى القريب معتبرا أن إدارة بوش ستسعى للحصول على المزيد من المكاسب السياسية في ملفات أخرى مثل حقوق الإنسان أو ما يسمى الإرهاب.

وفي انتظار إعلان ليبيا بدء التخلص من أسلحتها المحظورة يبدو فعلا أنها تعاملت بذكاء مع الموقف أخرجها وفق تقديرات المراقبين من قائمة ما يسمى الدول المارقة.

في المقابل ستطالب الحكومة الليبية أيضا بثمن هذه التنازلات فهي تنتظر مثلا رفع العقوبات الأميركية من جانب واحد والمزيد من تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع أميركا وأوروبا.
____________________________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة