انتصار حماس وانكسار فتح في عيون محللين   
السبت 1426/12/28 هـ - الموافق 28/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 4:12 (مكة المكرمة)، 1:12 (غرينتش)
استطلعت الجزيرة نت آراء بعض المحللين السياسيين عن فوز حركة المقاومة الإسلامية حماس بالانتخابات التشريعية وانحسار حركة فتح التي قادت الحكومة الفلسطينية نحو عقد من الزمان، وجاءت تعليقاتهم كالآتي:
 
باتريك سيل
المتخصص في شؤون الشرق الأوسط باتريك سيل
انتصار حماس نهاية لحقبة في الحركة الفلسطينية بعد أن فشلت فتح في إدارة مفاوضات السلام أو تشكيل إدارة نظيفة, وإن كان من الأمانة القول إن إسرائيل وضعت كل العقبات أمامها فلم تتفاوض معها وهاجمتها بكل الوسائل, وكأنهم لا يريدون فلسطينيين معتدلين يقدمون تنازلات. لقد جاء اكتساح حماس تحررا من وهم, فقد رأى الفلسطينيون كيف تدنى مستوى حياتهم وكيف استمر الاحتلال, وجاءت حماس, فقالوا لأنفسهم ها هي حركة تناضل لكنها تمارس العمل الاجتماعي, وتساعد الشعب. إن انتصار حماس هو صحوة من وهم مسيرة السلام.
أعتقد أن حماس بدأت منذ فترة مسيرتها نحو الاعتدال والنضج, والناطقون باسمها قالوا إنها مستعدة للتفاوض حول هدنة طويلة الأمد, لكن هل إسرائيل مستعدة لألا تفوت هذه الفرصة؟ حماس تملك على الأقل الدعم الشعبي الذي يخولها الحفاظ على الأمن الإسرائيلي إذا قدمت إسرائيل تنازلات, كما أن على أوروبا وأميركا تطوير مواقفها, وألا ترى في حماس حركة إرهابية, وهو ما فعله وزير خارجية إسبانيا ميغيل أنخيل موراتينوس لما قال "إذا فازت حماس فعلى العالم أن يعدل النظر".
 
أما التزامات خارطة الطريق فقد قتلتها إسرائيل أصلا, لذا يجب أن يكون استئناف مسيرة السلام على أسس جديدة ومنها إنهاء الاغتيالات والانسحاب من الأراضي المحتلة. إن الكرة في ملعب إسرائيل والخيار أمامها واضح. آمل أن يحقق الفلسطينيون الإجماع ويقولوا للعالم: "هذه مواقفنا وعليكم الاختيار".
 
                  **********
 
عبد الباري عطوان
 رئيس تحرير صحيفة القدس العربي عبد الباري عطوان
ما حدث يذكرني بالانقلابات التي أعقبت نكبة 48. إنه بداية تغير ديمقراطي في المنطقة, ودليل على أن التغيير يأتي دوما من نكبة فلسطين. إنه أول سقوط لنظام عربي باقتراع حر ونزيه, وقد فازت حماس لأن أجندتها لم تكن تعكس غالبية الفلسطينيين فحسب, بل العرب كذلك، من رفض للتطبيع والمفاوضات وأوسلو وتمسك بالمقاومة والعقيدة الإسلامية.
 
فوز حماس يعزز الموقف الفلسطيني, ويثبت كذب مراكز الاستطلاعات والأبحاث الممولة أميركيا. حماس ستعدل مع ذلك أجندتها ليس بشكل جذري –كما حدث مع فتح- لكنها ستلطف بعضها بما فيها التفاوض إما مباشرة أو غير مباشرة, ولنذكر هنا بتصريح محمود الزهار المهم بأن "التفاوض ليس خطيئة".
لقد أثبتت حماس سابقا أنها واقعية, فتمسكت بالهدنة فلم ترسل ولا صاروخا ولا استشهاديا واحدا, كما لدينا سابقة في التعاطي الإسرائيلي معها, بعد أن أوقفت إسرائيل الاغتيالات وتعاطت مع ممثلي حماس في المجالس البلدية بالضفة الغربية.
 
أما عن واشنطن فقد تعاملت مع فتح وكانت تعتبرها إرهابية واستقبلت عرفات وكانت تعتبره إرهابيا, كما تعاملت معها إسرائيل وأوروبا.
 
لا أعتقد أن حماس ستشكل حكومة على طراز تلك التي سجلتها السلطة, أي حكومة تفاوض إسرائيل، لكنني لا أستغرب أن تلجأ حماس إلى حكومة تكنوقراط تقوم بـ "العمل الوسخ"، إذا كانت لا تريد لنفسها أن تكون في فوهة المدفع وترفض تلويث يدها.
 
كما أن حماس ليست مضطرة للتعامل مع الدول المانحة والمجموعة الدولية, إنما العكس, فليس هناك بديل, لأن وقف المساعدة سيقوي موقف حماس وقد يؤدي إلى انهيار السلطة وحدوث فوضى عارمة، تفقد فيها السيطرة على ما يسمى "الفصائل المتطرفة" وقد يدفع حتى حركة مثل فتح إلى العودة إلى الخيار المسلح.
 
حماس ستواجه ثلاثة تحديات فورية: 1-محاكمة الفساد في السلطة 2-تسيير العلاقات مع العالم الخارجي: مرونة أم تشدد 3- الهدنة التي انتهت: هل تجدد أم لا؟
 
أما عن العلاقة بفتح, فحركة التحرير الفلسطينية الآن في حالة انعدام وزن, وهزيمتها قد تحدث انقلابا داخلها يطيح بالقيادة النخبوية ويحمل إلى القيادة شريحة أقرب لحماس لأنها من أبناء الشعب.
 
                  **********
 
عبد الوهاب بدرخان
 نائب رئيس تحرير جريدة الحياة عبد الوهاب بدرخان
فوز حماس انقلاب على وضع سابق سواء بالنسبة للقوى الدولية أو القوى العربية المعنية بممارسة حلول وتسوية, والاكتساح الذي حققته مسؤولية السلطة ومسؤولية فتح التي لم تعرف الحفاظ على مكانتها, لكنه أيضا مسؤولية قوى خارجية لم تحسن إدارة عملية السلام وأمعنت في عزل السلطة ومعاناة الشعب الفلسطيني, إضافة إلى عدم تعامل إسرائيل والولايات المتحدة الجيد مع المعتدلين العرب.
 
سيكون موقف واشنطن في البداية شبه سلبي, لكنها ستتظاهر بقبول النتائج على أساس أنها معطى ديمقراطي, لكن عمليا ستضغط على الفرامل, كما أنها تفضل هذه الحالات لأنها تعفيها من المبادرة.
 
إن حماس كانت تريد نقلة في خطابها, ووفرت لها الانتخابات فرصة القيام بذلك, وهي لم تفاجئ المجتمع الفلسطيني, بل المجتمع الفلسطيني هو من أشعرها أنه بحاجة إلى التهدئة وإلى الاهتمام بأمور حياته الحياتية, وقد قرأت حماس الإشارات ووصلت إلى قناعة بدخول الانتخابات.
 
كما أن ممارسة حماس دورا تشريعيا وتنفيذيا يعني جنوحها نحو الواقعية في تعاملها مع العالم الخارجي, وإلا حكمت على نفسها بالانكفاء في ما يشبه حصارا دوليا سيسهم فوزها –للأسف- في وقوعه.
 
دور حماس في إدارة سلاح المقاومة سيكون شبيها بدور السلطة في السنوات الأولى, عندما كانت لها قوى شرطة ومخابرات, لكنها لم تضيق على سلاح فتح لعلمها أن مسيرة السلام مازالت في بدايتها (وأن خيار المقاومة لم يسقط تماما). غير أن منظومة فتح الأمنية أمر معقد جدا, ويجب أن يكون أول مسألة تبحث في إطار حكومي وتنظيمي, وستحصل حوادث بكل تأكيد.
 
أما تأثير فوز حماس على الانتخابات بإسرائيل, فسيحتاج الناخب الإسرائيلي لبعض الوقت ليستوعب نتائجه, لكن ربما فقد حزب كاديما بعضا من أصواته.
 
بعض الدول العربية ستجد نفسها في وضع صعب في التعامل مع حماس خاصة الأردن ومصر, لكن مصر أحسن حالا لأن لها رصيدا في التعامل مع الفصائل خلال فترة بحث التهدئة.

الدول العربية الأخرى لن تجد نفسها في حرج لاتخاذ مواقف, ما لم يكن هناك سبب حقيقي مثل رغبتها في التأثير في قرارات حماس, أو بروز دور مباشر لإيران في قرارات حماس.
 
سيكون أول تحد أمام حماس إثبات جاهزيتها فعلا لممارسة المهمة, وبناء علاقة مع الرئيس الفلسطيني, وإثبات أمن وسلامة وضبط "الدكاكين السياسية", لكنها ستخسر جزءا من ناخبيها بممارستها السلطة, لأن جانبا كبيرا من أنصارها لا يرونها إلا في المعارضة وحاملة للسلاح.
 
                  **********
 
عزام التميمي
مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي بلندن عزام التميمي
يرجع فوز حماس إلى مجموعة عوامل بينها نظافة أيدي زعمائها وحملها الهم الفلسطيني بدل أن تحمل نفسها على أكتاف الفلسطينيين, وكذا موقف أغلبية الفلسطينيين من رفض الاعتراف بإسرائيل والتنازل عن الحقوق كما حصل في أوسلو.
 
المقاومة من وجهة نظر حماس مستمرة ما دامت المعركة مستمرة, إلا إذا أعلن وقف إطلاق للنار, وهو ما لم يحدث حتى الآن, كما أن وقف حماس عملياتها سابق لأوانه ومرتبط أولا بما إذا كانت ستشكل الحكومة أم لا, ثم بموقف إسرائيل والولايات المتحدة.
 
من غير الوارد أن تتنازل حماس عن تشكيل الحكومة لأن إعلان فتح أنها ستترك تشكيلها لحماس لم يترك لها خيارا آخر. حماس قادرة على إدارة الحكومة المحلية, بما لديها من كوادر وخبرة, لكن التحدي يكمن في إدارة العلاقات الدولية للسلطة, وستتحدد هذه العلاقات حسب الموقف الجديد للمجموعة الدولية, علما بأن أصوات خاصة في أوروبا –وأميركا بشكل أقل- ارتفعت للمطالبة بالاعتراف بحماس وشطبها من قائمة الإرهاب.
 
التحدي الأول أمام حماس هو تعاملها مع فتح "الجريحة التي تشعر بالعار", واللحظات الصعبة التي تشعر بها قد تنعكس في نوع من مواجهات الشارع, إضافة إلى ملف المنظومة الأمنية التي يسيطر عليها الفتحاويون والتي سيكون على حماس  تسييرها, رغم أن العديد من أفراد القوات الأمنية هم من عامة الناس ومتعاطفون معها.
 
                  **********
 
فهمي هويدي
المفكر الإسلامي فهمي هويدي
ما حدث صفحة جديدة لكنه ليس نهاية حقبة, وتوضيحها متوقف على وضوح حماس في برنامج الحكم لا في البرنامج الذي دخلت به الانتخابات, حيث استفادت حماس من عوامل عدة أهمها أنها كانت تقاوم وملتحمة بالناس وطاهرة اليد, كما ساعدها وضع فتح وتجربتها في السلطة والفساد الكبير الذي تميزت به, كما أن مغامرة السياسة العربية لم تحقق شيئا إضافة إلى تعنت إسرائيل والولايات المتحدة اللتين لم تقدما شيئا تقنع به السلطة الناس بأمل في المستقبل.
 
حماس لن تتنازل عن تشكيل الحكومة, لأن ذلك خذلان لناخبيها وللثقة التي وضعها فيها الناخبون الذين سيتساءلون: لماذا دخلت الاقتراع من أساسه؟.
 
من الطبيعي أن تعيد حماس النظر في مواقفها, ودخول فتح الحكومة سيؤدي بها إلى تعديل برنامجها للوصول إلى أجندة يتفق عليها الطرفان (لا حماس وحدها). أما التعهدات الدولية للسلطة, فحماس لن تتسرع وستدرس الأمر مع كوادرها وشركائها, فهي لن تستطيع تحديد مستقبل فلسطين وحدها.
أما الموقف الأميركي القائل بأنها لا تتعامل مع الحركات الإرهابية, فيجب التذكير بأنها لم تتعاط مع ياسر عرفات الذي كان يفاوض مع إسرائيل. أتوقع أن يكون الموقف الأميركي محددا بشكل الحكومة القادمة, وقد يكون الأمر كما هو في لبنان: أي تعامل مع الحكومة ومقاطعة لوزراء حزب الله.
 
حماس ستسعى إلى كسر احتكار فتح للمنظومة الأمنية بأن تدمج كوادرها في أجهزة الأمن لتحقيق قدر من التوازن, لكن هذا يبقى أحد الأسئلة الصعبة إلى جانب سؤال صعب آخر: كيف ستشكل الحكومة بشكل يقنع الجماهير بالتزامها بهدف أساسي هو تحرير فلسطين.
 
                  **********

رئيس قائمة فلسطين المستقلة مصطفى البرغوثي (رويترز)

مصطفى البرغوثي
الانتخابات في حد ذاتها نهاية حقبة وليس فوز حماس وحده, فقد نقلت الفلسطينيين من نظام الحزب الواحد إلى التعددية, والنتائج لم تعكس شعبية حماس فقط لكن أيضا التصويت العقابي الذي مورس ضد فتح, إضافة إلى دور حماس في المقاومة والخدمات الاجتماعية.
 
إن المرحلة السياسية القادمة ستتميز بأربعة تحديات:
1- كيف تحافظ حماس على الوحدة الوطنية
2- كيف تدير سلطة لا توافق أصلا على مرجعياتها
3- كيف تدير العلاقات الدولية للشعب الفلسطيني
4- كيف تتخلص من تركة فتح، أي من نظام فئوي قائم على الانتماء السياسي.
 
أما عن المقاومة, فقد قلنا دائما إن المقاومة ليست فقط بالسلاح, وحماس الآن أمام أمر ملموس, فالمعارضة اللفظية قد تريح من المسؤوليات, لكن الوجود في مراكز القرار تنتج عنه قرارات وتبعات.
 
لا أدري إن كانت حماس ستتنازل عن تشكيل الحكومة, لكن قوى أخرى لن تقبل القيام بـ"العمل الأسود", فيما حماس تحتفظ بدور المراقب من البرلمان, فمن يحصل على الأغلبية يجب أن يخوض تجربة الحكومة التنفيذية.
 
أما عن المنظومة الأمنية الفلسطينية, فهذا موضوع معقد للغاية, ولا يحل إلا بنقاش يحافظ على الوحدة الوطنية, كما يجب ألا ننسى أنه لا توجد سلطة فقط, بل هناك أيضا منظمة التحرير الفلسطينية. الأكيد أنه لا يمكن قبول احتفاظ كل فصيل بسلاحه الداخلي الخاص, ويجب الوصول إلى إصلاح الأجهزة الأمنية بحيث يتم القضاء على الفئوية.
 
                  ***********
 
ياسر الزعاترة
المحلل السياسي ياسر الزعاترة
ليست نهاية حقبة لكن فقط تحول سياسي في تاريخ الشعب الفلسطيني, وليس في ميزان القوى العربية والدولية, فمنظمة التحرير الفلسطينية مازالت متعارفا على أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني, وهناك نوايا دولية وفتحاوية لإفشال تجربة حماس, وقد يخلق ازدواج الصلاحيات في السلطة بين رئيس منتخب وبرلمان منتخب هو الآخر مجالا لذلك, إذ قد تحاول فتح الإمساك بالسلطة وإعطاء حماس دورا هامشيا, وقد يحاول الرئيس استعمال سلطته بحجة أنه رئيس منتخب للسيطرة على القوى الأمنية, والعلاقات مع الدول الكبرى.
 
فوز حماس لم يكن غريبا في الحقيقة, فهي منذ الثمانينيات كانت تحصد نصف أصوات الشارع, وما جرى له أسبابه, وبينها صراعات فتح بدليل أن الفارق بين الحركتين كبير في القوائم النسبية لكنه ضئيل في الدوائر, كما أن مواقف الولايات المتحدة المحذرة من التصويت لصالح حماس زاد شعبيتها.
 
أزمة التسوية ليست أزمة الفلسطينيين, بل أزمة إسرائيل, فعرفات قبل أوسلو وما تبعها من اتفاقات كامب ديفد, لكن إسرائيل لا ترغب في أي تنازلات, وقد رفضوا عرفات وحتى عباس, كما أن حماس ليست مرغمة على أخذ الكل أو تركه, فهناك خيارات بين أوسلو وبين تحرير فلسطين من النهر إلى البحر. ستحاول حماس بالشراكة تحسين شروط التفاوض, لكن ليس بيدها كسر موازين القوى محليا وعربيا ودوليا, ولن يمكنها التنازل عن تشكيل الحكومة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة