إسماعيل تامر وعالم من أسئلة تبحث عن إجابات   
الثلاثاء 1426/4/15 هـ - الموافق 24/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 19:47 (مكة المكرمة)، 16:47 (غرينتش)
بدا عمل الكاتب السوري الكبير زكريا تامر الجديد "القنفذ" الذي صدر عن دار رياض الريس للكتب والنشر في بيروت أقرب إلى عالم غرائبي يفيض بأسئلة وأجوبة يطرحها الأطفال والفلاسفة والمتصوفون، وأحيانا أخرى عالم  يشبه عالم أفلام وولت ديزني.
 
ولعل القصة الأولى أو الفصل الأول الذي حمل عنوانا هو "صديقتي التي لا ترى" أقرب إلى تصوير روح معظم الفصول الأخرى وبعض نسيجها المادي أحيانا أنه عالم الأطفال يقول "تشارك الطفل في بيته جنية صغيرة. كل ما في البيت حي ينطق ويسمع ويحاور. تركت الأم الطفل وحيدا في البيت وذهبت في زيارة، قلت لقطتي إني سأشنقها فلم تبال بي وتابعت تنظيف شعرها بلسانها, وقلت لشجرة النارنج المنتصبة في حوضها الترابي إني سأحضر فأسا وأقطعها فلم تصفر أوراقها رعبا. وقلت للحائط إني سأنطحه برأسي نطحة تهدمه فضحك ساخرا من تهديدي وقال لي متحديا.. هيا جرب وستكسر رأسك وتندم".
 
ويضيف "وخيل إلي أن شخصا يحوص في الغرف العلوية فقلت لنفسي مشجعا إن الهواء هو الذي يحرك شباكا مفتوحا ولكني تنبهت أنه لا وجود لأي هواء في تلك اللحظات قادر على تحريك ورقة صغيرة من أوراق الشجر وصحت بصوت خشن ممطوط وأنا أقف في باحة البيت متطلعا إلى أعلى.. من فوق.. ففوجئت بسماع ضحكة مرحة بالقرب مني وتطلعت فلم أر أحدا وقلت متسائلا.. من يضحك..".
 
نيام ويتكلمون
وفي قصة "النيام" عالم نائم لكنه عالم حي. الأشجار الخمس في البستان نائمة يقول "كل شيء ينام بطريقته وشجرة النارنج نائمة ولا بد من أنها مختلفة عنا تنام وينام قلبها... الماء في الأنابيب نائم أيضا وسيفيق من نومه إذا أدرت يد الحنفية التي تسجنه ولكنني حذرت بشدة ألا ألعب بالماء".
 
وفي قصة أخرى بعنوان "الذين يتكلمون" نجد طفولة سريالية غرائبية ويبدو فيها كأن كل شيء أخرج وصور على طريقة بعض شخصيات وولت ديزني وأقرانه يتابع الكاتب "ازداد ضحك الجارات وأمرتني أمي بأن أخرس وألا أقاطع الكبار وهم يتحدثون... فزعلت وطوحت بكرتي بأقصى ما أملك من قوة فطارت الكرة إلى أعلى ولم تنزل ولم أعثر عليها على الرغم من أني طرقت كل أبواب بيوت الجيران سائلا عنها. واقتنعت بعد حين بأن غرابا لا يكلمني حين أكلمه هو الذي اختطف كرتي وأعطاها لابنه".
 
أما في "الفخ" فهنالك.. وبخبث الكبار وإن ادعى الطفولة تصوير لازدواجية المفاهيم والمبادئ. أم الولد تحثه على عدم التدخل فيما لا يعنيه والتنصت على الآخرين يقول "لم تغضب أمي عندما ضبطتني بعد أيام أتنصت على جدي يحدث جدتي عن وصيته الأخيرة وما تحويه وسألتني بإلحاح وبصمت هامس عما سمعته".
 
أسئلة حائرة
وفي الأخير تضمنت المجموعة أسئلة عديدة تبدو ختاما رماديا إلى حد ما، وفي الوقت ذاته ردودا على هذه الأسئلة بمرارة وسخرية, ففي مرور سريع وجارح للزمن وتحول الأحلام إلى رماد لحريق طويل معتق نقرأ مع زكريا تامر نهايته قائلا "سألت قطا عما إن كان يتذكر قطتي البيضاء الجميلة التي ماتت بعد مرض مفاجئ فنظر القط إلي باحتقار ولم يفه بكلمة... بحثت عن قميصي الأزرق وسألت زوجتي عنه فقالت إنها وجدت ياقته متهرئة ورمته في الزبالة... ورغبت وأنا أتأمل عينيها السوداوين ووجهها الأبيض المتعب في أن أسألها عن حبها لي ولكنني فضلت أن أظل ساكتا... وسألت ابني الصغير عما يفعل فقال لي إنه يرسم قرية صغيرة لا يعيش فيها إلا القطط والطيور والشجر فربتّ براحتي على رأسه مشجعا ونويت أن أقلده وسأرسم مدينة ليس فيها حي وشوارعها وبيوتها جبال رماد".


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة