أطفال الغوطة.. ملاهٍ بالأقبية وأراجيح من الصواريخ   
السبت 1437/12/16 هـ - الموافق 17/9/2016 م (آخر تحديث) الساعة 21:22 (مكة المكرمة)، 18:22 (غرينتش)

في شارع بمدينة دوما بالغوطة الشرقية يجلس أبو علي على كرسي وإلى جانبه طفل يتمرجح على لعبة على شكل صاروخ أحمر اللون.

أما الطفلة غدير فتعرب عن فرحتها بالأراجيح، وتقول "بشار الأسد أرسل صواريخ يقتلنا، وعمو أبو علي حول الصواريخ إلى ألعاب لكي يفرحنا".

مثل أقرانهم حول العالم يحب أطفال غوطة دمشق الشرقية الأراجيح والملاهي، لكن ألعابهم غير تقليدية؛ فهي إما موجودة تحت الأرض أو مصنعة من مخلفات صواريخ قصفت بها منطقتهم على مدى أربع سنوات.

فقبل ثلاث سنوات، وأثناء مروره في أحد شوارع مدينة دوما، رأى أبو علي البيطار طفلا يلعب بمخلفات الصواريخ.

وبدل أن تبقى بقايا من أدوات الحرب، قرر أن يطورها مستغلا خبرته في أعمال الحدادة، وحينها بدأ جمع مخلفات الصواريخ حيثما وجدها، وتمكن من تجميع نحو أربعين.

ويروي أنه "في البداية اعتبرني الجيران مجنونا فلم يكونوا يدرون أني أصنع الألعاب للأطفال، وكانت المفاجأة حين خرجت عليهم في أحد الأيام حاملا الأراجيح".

ويضيف "بعد ذلك بدأ الناس تشجيعي، وبات الفلاحون يحضرون لي مخلفات الصواريخ وقذائف الهاون التي تسقط على أراضيهم".

وتعد دوما منذ عام 2013 معقلا للفصائل المعارضة والإسلامية بالغوطة الشرقية قرب دمشق.

حصار خانق
وفي ظل الحصار الخانق من الجيش السوري، ابتكر سكان دوما ألعابا وسلعا عديدة بديلة للتأقلم مع وضعهم الجديد.

وشكلت القذائف مصدر إلهام للبعض، فعمد أحدهم إلى الرسم عليها لتتحول قذيفة الهاون إلى تحفة فنية يشتريها الناس هدية بدلا من بضائع ومنتجات غابت عن الأسواق.

وبحسب الأمم المتحدة، يعيش نحو ستمئة ألف شخص في 19 منطقة محاصرة في البلاد التي دمرتها الحرب: 452 ألفا وسبعمئة شخص منهم يحاصرهم الجيش السوري، خاصة في ريف دمشق.

الأهالي أصروا على تهيئة أجواء ملائمة لفرح الأطفال في دوما (الأوروبية)

وتنعم دوما حاليا بالهدنة المعلنة منذ أيام بموجب اتفاق أميركي روسي، مما سمح للأطفال والعائلات بالخروج من منازلهم والتنزه.

وفي أحد أحياء مدينة دوما تلعب حنين الطفلة البالغة من العمر عشر سنوات بالأراجيح، رغم أنها فقدت يدها اليمنى بصاروخ أطلقته طائرة حربية استهدفت سوقا كانت في طريقها إليه.

وتأخذ الأراجيح التي يصنعها أبو علي أشكال الصواريخ، وهي ملونة بالأحمر والأزرق والأصفر والأخضر.

ويقول أبو علي إن الأطفال تركوا الأراجيح العادية "وباتوا يركضون للعب بتلك المصنوعة من الصواريخ.

ويضيف "هذه براءة الأطفال، فالطفل لا يعرف أن هذا الصاروخ الذي يلعب عليه ويفرح به هو ذاته الذي ألقته طائرة ميغ".

معادلة الحياة
ويرى أن "هذه هي المعادلة المستحيلة: أن يتحول شيء هدفه القتل إلى لعبة يفرح بها الأطفال".

ويأمل أبو علي أن يخرج أراجيحه لعرضها في الدول الأوروبية بعد انتهاء الحرب، أو أن "يأتوا إلينا في الغوطة الشرقية كي يروا الأراجيح التي تتحول إلى تحف".

وتتعرض المناطق الواقعة تحت سيطرة الفصائل المعارضة في الغوطة الشرقية منذ عام 2013 وبشكل شبه يومي للقصف المدفعي والجوي.

وللفرار من القصف، أنشأ سكان مدينة عربين (جنوب دوما) ملاهي للأطفال في قاعات تحت الأرض ليتيحوا لهم اللعب دون خوف.

وخلال عيد الأضحى الأسبوع الماضي، عمد متطوعون إلى استئجار أقبية للقيام بأنشطة يستمتع بها الأطفال.

ويقول حسان مدير فريق "ملهم" التطوعي إنه بسبب القصف على الغوطة الشرقية "أُجبرنا على استئجار أقبية تحت الأرض مجهزة بصالات ألعاب كاملة ومسرح لنفرّح الأطفال.

وفي أحد أحياء عربين، ينزل الأطفال على أدراج حجرية ليصلوا إلى قبو تحول إلى "مدينة ألعاب"، ويكملون طريقهم في نفق طويل ليصلوا إلى قبو آخر ملأته الأعمدة الملونة وانتشرت فيه الألعاب، منها ما يأخذ شكل حيوانات يتأرجحون عليها وأخرى يتسلقون عليها ويتزحلقون.

وتلعب يمنى (خمس سنوات) على أرجوحة تأخذ شكل حصان، وتقول "العيد هنا في القبو، لأن هنا أمان".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة