مارين لوبان الوجه الناعم لأقصى اليمين   
الثلاثاء 9/6/1433 هـ - الموافق 1/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 22:45 (مكة المكرمة)، 19:45 (غرينتش)
نتيجة مارين برئاسيات 2012 كانت الأفضل التي يحققها مرشح من أقصى اليمين بتاريخ فرنسا (الفرنسية-أرشيف)

إلياس تملالي

إن كنتَ ستلتقي مارين لوبان، وكنت تتوقع أن تسمع منها أحكاما قاسية -كأنْ تصف غرف الغاز بـ "تفصيلٍ" من تفاصيل الحرب العالمية الثانية، كما كان يردد أبوها- فإن ظنك سيخيب.

بل إن مارين -المتهمة بتشجيع الكراهية ضد العرب والمسلمين- قد تشكو لك كيف عانت التمييز وهي صغيرة بسبب مواقف أبيها جان ماري لوبان، وتروي لك كيف دافعت عن مهاجرين سريين عندما كانت تمارس المحاماة في باريس.

سترى في عينيها نظرة تشع ابتسامة ماكرة، تعرف أيضا كيف تجعلها قاسية عند الضرورة.

لكن مارين لوبان أكثر تعقيدا من ذلك.

شحنة ديناميت
عندما طلب منها مراسل نيويورك تايمز العام الماضي أن تذكر أحد الأشياء التي ساهمت في تكوين شخصيتها وهي صغيرة كانت الإجابة أنها "عشرون كيلوغراما من الديناميت".

كانت تتحدث عن قنبلة مزقت واجهة البناية التي كانت العائلة تسكنها في باريس.

"أدركتُ (حينها) أن السياسة قد تكلفك حياتك" تقول مارين.

منذ أن حصدت مارين أكثر من  18% من أصوات الناخبين في الدور الأول لرئاسيات 2012، لم يعد الحديث عن الجبهة الفرنسية من ترف النقاش الأيديولوجي، فهذا الحزب بات قادرا على أن يحدد من سيدخل الإليزيه، كما قد يستطيع دخول البرلمان لأول مرة منذ عشرين عاما.

مارين وازنت يبن الوفاء لخط الحزب الأيديولوجي وتقديم صورة عصرية عنه (الفرنسية-أرشيف)

لم يكن هدف مارين في انتخابات 2012 هو الفوز، فقد كان ذلك شبه مستحيل، وقد اتفق المرشحان الرئيسيان نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند على التصدي لها إن استطاعت المرور إلى الدور الثاني.

"طبقة فاسدة"
لكن هدفها في تقديم حزبها كبديل لطبقة سياسية "فاسدة" بجناحيْها اليميني واليساري، نجح نسبيا، مثلما نجحت هي في طرح نفسها رقما لا مفر منه.

وقد جعل هذا الصعود كلا المرشحين الرئيسيين يخطب ود أنصارها، وإنْ بمواربة: فالتودد علنا لأقصى اليمين ما زال من المحرمات.

لم يخل هذا الصعود من مفارقات: فالمرشحة التي حازت ثقة نحو 6.5 ملايين فرنسي، لا تستطيع أن تجمع بسهولة خمسمائة توقيع من توقيعات أعضاء المجالس المنتخبة، يلزم بها القانون أي راغب في الترشح.

وقد طلبت مارين دون جدوى تغيير النظام الانتخابي الذي يعاقب الأحزاب "الصغيرة".

تلميع صورة
 بعد أقل من عام من تقلدها رئاسة الحزب استطاعت مارين أن تعيد الجبهة الوطنية إلى الساحة السياسية والإعلامية بعد غياب استمر سنوات، سببته هزيمة كبيرة مني بها في الانتخابات التشريعية والرئاسية لـ 2007 (الأداء الجيد بالنسبة للجبهة الوطنية في الاقتراع التشريعي كان يعني حتى 2012 مجرد المرور إلى الدور الثاني).

ساهمت مارين بقوة في إعادة تأهيل الحزب، الذي استطاع تحقيق نتيجة تاريخية في انتخابات بلدية فرعية نظمت عام 2009. 

كانت إحدى المهام الرئيسية التي سطرتها تحسين صورة حزبٍ طالما اتُهم بمعاداة السامية، وشكل الفرنسيون المعادون للهجرة والكاثوليك المحافظون النواة الصلبة لأعضائه وضم في صفوفه في وقت ما حتى فرنسيين كانوا يصنفون أنفسهم صراحة بأنهم فاشيون.

دون أن تتنكر لأبيها -الذي عُرفت عنه تصريحات نارية ضد اليهود والعرب "الذين أُحبهم لكنْ عندما يكونون في ديارهم"- تقر مارين بأن "عليّ إصلاح ذات البين بين الشعب الفرنسي والجبهة الوطنية".

وقد استطاعت مارين فعلا منذ ترؤسها الجبهة الوطنية (وأطاحت في طريقها لتحقيق ذلك بسياسيين محنكين) توسيع دائرة أنصار الحزب خارج الشرائح التقليدية من العمال اليدويين وكبار السن والمزارعين.

الهجرة والإسلام
لكن لازمتيْن ظلتا تترددان في خطبها، أولاهما الهجرة، رغم أن مارين تؤكد أنها لا ترفض الهجرة كظاهرة، وأن المهاجرين مرحب بهم شرط الاندماج في الثقافة الفرنسية.

أما الثانية فتحذيرها من "خطر" الإسلام الذي "يهدد" الثقافة الفرنسية.

وحتى عندما تنافح مارين عن الإجهاض والمثلية الجنسية (وهو تطور نوعي في خطاب الحزب) فإنها تفعل ذلك باسم الدفاع عن قيمٍ علمانية يهددها المسلمون، الذين لم تتردد عام 2010 في تشبيه صلاتهم في الشارع بالاحتلال النازي لبلادها.

الإسلام هو "الشمولية" الأخرى التي تحذر مارين منها، مثله مثل "العولمة".

والحل؟

"إسلام فرنسي" تقول مارين لأن ذلك مرتبط بالسيادة في رأيها، تماما كما ترتبط بالسيادة مسألة الجنسية التي لا يجب أن تكون مزدوجة.

هذه المواقف من قضايا كالإجهاض والمثلية الجنسية لم تكن دون ثمن داخل الحزب، حيث اتهمها التيار المحافظ بالانحراف عن الخط الأيديولوجي للجبهة الوطنية.

منذ أن خلفت أباها استطاعت مارين توسيع دائرة أنصار الجبهة خارج الشرائح التقليدية (الفرنسية-أرشيف)
بمعاقل اليسار
لا تفسر الصرامة التي تميز مواقفها -صرامةَ زيّها الذي تصر على أن يخلو من زينة النساء التقليدية- وحدها تحولها في أقل من سنة إلى واحدة من أبرز السياسيين الفرنسيين.


هناك أيضا ظروف موضوعية، كالأزمة الاقتصادية التي دفعت فرنسيين كثيرين إلى أحضان الجبهة الوطنية.

هؤلاء يرون في مارين نصيرتهم ضد مؤسسة حاكمة في فرنسا وأوروبا فاسدة حتى النخاع.

ليس صعود أقصى اليمين الفرنسي حالة معزولة في أوروبا، فقد مكّنت الأزمة الاقتصادية لأحزابِ هذا التيار في بلدان كثيرة خاصة في سويسرا وإيطاليا وهولندا واليونان، وجميعها أحزاب تتبنى الشعبوية الاقتصادية والقومية الوطنية خطابًا.

لكن مارين ترفض أن يحسب حزبها على أقصى اليمين، وتفضل تسمية "اليمين الوطني".

عندما تسمع مارين تدافع عن "الدولة القوية" وتدعو لحماية القطاعات الإستراتيجية ولفرض الحمائية، وعندما ترفض "حرية التبادل المطلق" و"ديكتاتورية المصارف والأسواق المالية" والبقاء في الحلف الأطلسي، وتندد بـ "الأجندة العالمية" لنيكولا ساركوزي وبالتدخل العسكري في ليبيا، وبـ "السياسات التي وضعها صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية لإفقار دول شمال أفريقيا" فإنك تخال نفسك أمام سياسي من أقصى اليسار.

لكن أقصى اليسار هو أحد ألد أعدائها، ولمحاربته نقلت مارين المعركة إلى حصنه الحصين: طبقة الشغّيلة.

ليست محاولة استقطاب طبقة البروليتاريا أمرا مستجدا في خطاب الجبهة الوطنية، بل سياسة سُطّرت قبل أربعين عاما حين كتب فرانسوا دوبرا -وهو أحد المنظرين الأيديولوجيين للتيار- أن "اشتداد الأزمة بفعل سيطرة رجال المصارف على الاقتصاد سينتج اضطرابات اجتماعية تفيد أقصى اليمين" لذا فإن "تعميم نضالاتِ الاحتجاج الاجتماعي يجب أن يكون إحدى المهام الأساسية".

إن مواقف مارين لوبان "ليست تحولا إلى اليسار، لكنه تحول إلى بُعد ثالث في السياسة الفرنسية" يقول لوران بوفي أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة