البابا يعيد اكتشاف سوريا   
الأحد 1422/2/12 هـ - الموافق 6/5/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


الجزيرة نت - حسام عبد الحميد

كانت دمشق أمس محط أنظار العالم حيث وصلها البابا يوحنا بولص الثاني في زيارة عدها المراقبون من أهم زياراته التي فاقت تسعين زيارة, وقد تصدرت أنباؤها عناوين الصحف السورية التي أفردت مساحات واسعة لتحليل أبعادها ودلالاتها الدينية والسياسية, فيما أجرت حوارات مستفيضة مع الفعاليات السورية المسلمة والمسيحية لاستطلاع آرائها تجاه هذه الزيارة.

فتحت عنوان "الأسد استقبل البابا في بدء زيارته التاريخية لسوريا" قالت صحيفة البعث إن الرئيس بشار الأسد أكد تمسك سوريا بالسلام العادل والشامل الذي يعيد الأرض إلى أصحابها حسب قرارات مجلس الأمن وعودة اللاجئين إلى ديارهم وقيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.‏


إننا نتوقع منكم
أن تقفوا إلى جانب الشعب الذي يتعذب ويعاني من القهر والاضطهاد في لبنان والجولان وفلسطين

الأسد للبابا-البعث

ونقلت الصحيفة عن الرئيس الأسد في كلمته الترحيبية بالبابا قوله إننا نتوقع منكم أن تقفوا إلى جانب الشعب الذي يتعذب ويعاني من القهر والاضطهاد في لبنان والجولان وفلسطين.‏

وقالت الصحيفة إن قداسة البابا أكد في كلمة الشكر التي ألقاها بمناسبة الزيارة أن دمشق درة الشرق، وشدد على أهمية السلام العادل والشامل وأن الوقت قد حان للعودة إلى مبادئ الشرعية الدولية.‏

‏وكان الرئيس الأسد قد استقبل في قصر الشعب مساء أمس قداسة البابا يوحنا بولص الثاني, ثم اجتمع بقداسته على انفراد وحدثه عن تاريخ سوريا وأهميتها بالنسبة لكل الأديان السماوية إذ كانت سوريا دائما بلد التسامح والتعايش والتآخي بين الأديان والطوائف حيث إن الجميع يؤمنون بإله واحد ويعملون ويخلصون لوطنهم.‏

وقالت البعث إن قداسة البابا أكد على مساهمة سوريا الحضارية وعنفوانها التاريخي إذ كل المستعمرين والطامعين رحلوا عنها وبقيت سوريا شامخة ومساهمة أساسية في إرساء القيم والحضارات الإنسانية.

وأضاف البابا أن "سوريا تبقى شابة في التاريخ ويقودها رئيس شاب ولذلك فإن الجميع يتوقع منها الكثير". ورد الرئيس على ذلك بقوله "كما كانت سوريا بلد التسامح في الماضي والحاضر ستبقى كذلك في المستقبل ولن تكون غير ذلك أبدا".‏

‏وحول هذه الزيارة كتبت صحيفة تشرين افتتاحيتها تحت عنوان "التضامن مع أصحاب الحق" قالت فيها "بدأ قداسة البابا زيارته التاريخية لسوريا في أجواء من الحفاوة البالغة والتكريم الشعبي الكبير.. فقد أعدت له دمشق -درة الشرق كما وصفها قداسته- استقبالاً حافلاً يعبر أجمل تعبير عن التقدير لمكانته الدينية ورسالته السامية الساعية إلى إقرار السلام العادل في المناطق المعذبة من الأرض ومنها الديار المقدسة.‏

وأضافت الصحيفة "ولأن قداسة البابا يجسّد قمة المسؤولية في الحفاظ على القيم البشرية، فقد تطرّق الرئيس الأسد إلى معاناة شعبنا في فلسطين ولبنان والجولان حيث يعتدي الإسرائيليون -دون وازع من ضمير أو احترام لأي مبدأ دولي- على المسلمين والمسيحيين ويعبثون بالأماكن المقدسة وينتهكون الحرمات، مؤكداً أن سوريا تتمسك بالسلام العادل الشامل الذي يعيد الأرض إلى أصحابها واللاجئين إلى ديارهم ويتيح للشعب الفلسطيني تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

واستطردت الصحيفة قائلة "يدرك قداسته ولاشك أن الإسرائيليين ذهبوا بعيداً في أعمال الوحشية والإجرام وتجاوزوا كل الأعراف والمواثيق، مستقوين بالدعم الأميركي اللامحدود، فتحدّوا إرادة المجتمع الدولي وروّعوا الأطفال والنساء وقتلوا الشيوخ وهجّروا الملايين من ديارهم بالقوة والبطش والعنف والإرهاب".


من جاء إلى دمشق مقتفياً خطى القديس بولص والمسيحيين الأوائل الذين حملوا رسالة الحق والعدل والإخاء والمساواة إلى العالم، لابد أن يتضامن مع الأبرياء والمضطهدين أصحاب القضية العادلة

تشرين

وقالت الصحيفة "من جاء إلى دمشق مقتفياً خطى القديس بولص والمسيحيين الأوائل الذين حملوا رسالة الحق والعدل والإخاء والمساواة إلى العالم، لابد أن يتضامن مع الأبرياء والمضطهدين أصحاب القضية العادلة الواضحة كالشمس، ولابد أن يبارك سوريا وطن التسامح والمحبة والتآلف الديني وملاذ كل المضطهدين.. فسوريا فتحت صدرها باستمرار لكل الذين فروا من البغي والطغيان واحتضنتهم كما تفعل الأم الرؤوم بأطفالها".‏

وأكدت الصحيفة في ختام كلمتها أن "سوريا التي استقبلت البابا بكل الحب والتقدير ستؤكد لقداسته أنها دوماً وأبداً مع السلام العادل، تسعى إليه وتكافح وتناضل من أجله.. لكنها تريد السلام الذي يعيد الأرض إلى أهلها والحقوق إلى أصحابها ويمسح دمعة الحزن عن الوجوه".

أما صحيفة البعث فكتب رئيس تحريرها حول الزيارة تحت عنوان "مازال عند سوريا ما تعطيه للعالم" مؤكدا أن سوريا -ممثلة بشخص قائدها- تعيد إحياء رسالتها الإنسانية بقوة، وتشحن حيويتها وطاقتها المتجددة من أجل استعادة ذاك الدور الحضاري الذي طالما أنار ظلام البشرية، لدرجة أن العطاء الكبير لهذا الوطن الغالي -لهذه السورية المتميزة- حفر في جدران التاريخ أثراً نورانياً مازال العالم بحاجة للعودة إليه كلما اشتد الظلام.

وأضاف "مازال لدى سوريا، ذلك البلد الذي قال عنه أحد المنصفين الأوروبيين بأنه أكبر بلد صغير في العالم، ما تقوله لهذا العالم الغارق في الكراهية.. مازال عندها ما تعمله -بتواضع الحكماء- لعالم مشبع بالعنصرية على الرغم من تحضره التكنولوجي.‏


الآن يعيد البابا ومعه العالم، اكتشاف سوريا.. تلك الدرة المعلقة على صدر التاريخ إلى جانب القلب، وكأنها وسام مشع يزين
هامته المديدة

البعث

وقال "رسالة سوريا واضحة، دائمة، لا يمكن أن تتخلى عنها، لأن هذه الرسالة مصنوعة من ذات سوريا، من لحمها ودمها.. ففي تراب سوريا زُرعت أول حبة قمح، وعلى ألواحها كُتب أول حرف، ومن شواطئها أبحرت أول سفينة، وعلى جسدها بُني أول صرح، ومن لدنها أُذِن للحضارة أن تنطلق بلا حدود".

ويختتم رئيس التحرير مقاله بقوله "الآن يعيد البابا ومعه العالم، اكتشاف سوريا.. تلك الدرة المعلقة على صدر التاريخ إلى جانب القلب، وكأنها وسام مشع يزين هامته المديدة.. إنها سوريا بشار الأسد، والبعث، والوحدة الوطنية الناجزة..‏ سوريا.. سيدة التسامح، مازال عندها ما تعطيه للعالم..‏ ومازال العالم بحاجة كي يأخذ منها".

‏ وعن أهمية هذه الزيارة أجرت صحيفة تشرين لقاء مع عدد من علماء المسلمين في محافظة السويداء وهم: الشيخ أحمد سلمان الهجري والشيخ حسين جربوع والشيخ إبراهيم أبو عسلي والشيخ كميل نصر, فتحدث الشيخ الهجري عن الزيارة قائلا "إن شعب سوريا من مسلمين ومسيحيين يرحب بزيارة قداسة البابا ويعدها بادرة كريمة ونبيلة القصد وصادرة عن رجل له الاحترام والتقدير كله لمركزه الديني في العالم ولشخصه الذي يتصف بالتسامح والتواضع ويعد من رجال السلام الذين يطوفون العالم ويدعون للخير وللتآخي الديني وإقامة السلام في ربوع العالم".‏

وأضاف "نأمل من هذه الزيارة أن تساهم دوليا مع شرفاء العالم في استعادة العرب وسوريا خاصة أراضيهم المحتلة حسب قرارات الأمم المتحدة المعروفة كي يتحقق في المنطقة السلام العام والشامل والدائم مع إقامة دولة فلسطين العربية وعاصمتها القدس الشريف وإعادة اللاجئين لفلسطين".‏

أما الشيخ أبو عسلي فقال "إن زيارة قداسة البابا يوحنا بولص الثاني إلى سوريا تعكس أهمية بلدنا الثقافية والسياسية على الساحة العالمية، وهي تأتي نتيجة واقعية للنهج السياسي الديني العلماني الذي هو سياسة بلدنا الحبيب منذ عقود لاسيما منذ قيام الحركة التصحيحية بقيادة القائد حافظ الأسد".

ويقول الشيخ حسين جربوع "بكل الحب والترحاب نستقبل قداسة البابا ونرى في زيارته بادرة جيدة جدا لأنها تأتي في ظروف صعبة تمر بها الأمة العربية لاسيما شعبنا في فلسطين المحتلة، وهي مناسبة ليطلع على الحقيقة الصادقة من مصادرها الموثوقة من سوريا الموقف والثبات على المبادئ والقيم الأصيلة".


حين يقوم الحبر الأعظم قداسة البابا بزيارته التاريخية إلى سوريا فهذا اعتراف بدورها في تكريس رسالة السلام والمحبة واعتراف بمكانتها التاريخية والمعاصرة

الشيخ كميل نصر-تشرين

وعن الوحدة الوطنية يقول الشيخ جربوع "إن الوحدة الوطنية في سوريا قل ما نجد لها مثيلا في العالم، وهي تضع أبناء الوطن جميعهم في خندق واحد بعيدا عن المذهبية والطائفية الضيقة, وقد صنعت الوحدة الوطنية في سوريا جبهة قوية في وجه التحديات كلها وأمامها سقطت المحاولات التي أرادت المس بسيادة هذا الوطن وكرامة مواطنيه".‏

وفي لقاء مع الشيخ كميل نصر تحدث عن أهمية الوحدة الوطنية والتآخي الديني ومعاني زيارة البابا لسوريا قائلا "ليس هناك أي سبب لأن يبتعد المسيحي الصادق عن المسلم الصادق فكلاهما حبيب الله وهذا ما تجلى في معظم الفترات التاريخية التي مرت على بلدنا الحبيب سوريا، فالقاعدة أن يتحابب المسلم والمسيحي والاستثناء أن يكونا غير ذلك لأن سوريا الغالية ركن عظيم من أركان المسيحية كما هي ركن عظيم من أركان الإسلام".‏

وأضاف "حين يقوم الحبر الأعظم قداسة البابا بزيارته التاريخية إلى سوريا فهذا اعتراف بدورها في تكريس رسالة السلام والمحبة واعتراف بمكانتها التاريخية والمعاصرة".‏

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة