الغرباوي.. مؤسس الحداثة التشكيلية بالمغرب   
الأحد 1433/7/28 هـ - الموافق 17/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 11:34 (مكة المكرمة)، 8:34 (غرينتش)
جانب من معرض أعمال التشكيلي المغربي الجيلالي الغرباوي (الجزيرة)
نزار الفراوي-الرباط
 
بمعرض لوحات وكتاب شهادات، استعاد المشهد التشكيلي المغربي ذكرى الفنان الجيلالي الغرباوي، الذي يعده النقاد أحد مؤسسي الحداثة في فن التشكيل المغربي، من خلال تجريديته الشاعرية التي قطعت مع الذوق السائد سواء في المخيال القومي أو التراث الاستشراقي التبسيطي.
 
هي مبادرة يراها البعض متأخرة، إذ تعيد الاعتبار لرائد تشكيلي حفر اسما تجاوز صيته الحدود المغربية إلى المحافل الفنية الأوروبية، برغم حياته القصيرة التي لم تتجاوز أربعة عقود (1930- 1971)، والتي كانت قصة مأساة متواصلة منذ يتمه المبكر، وصولا إلى الموت على مقعد حديقة في العاصمة الفرنسية باريس، مرورا بسنين صعبة عاشها الغرباوي على حافة الجنون، وشابتها محاولتا انتحار.
 
إحدى لوحات الفنان المغربي الجيلالي الغرباوي (الجزيرة)
من الشارع  إلى المحفل الباريسي
كانت نذر الحياة البائسة التي عاشها الجيلالي الغرباوي، بادية منذ معاناته المبكرة من اليتم وإيداعه في ملجأ بمدينة فاس، لولا أن القدر ادخر له فرصا ليضفي على حياته معنى آخر.
 
على رصيف الاسترزاق بلوحات عصامية شبه بدائية، سترمقه عين لاقطة لرسام فرنسي كان يقيم بالمغرب، ما لبث أن هيأ له علاقات مكنته من الانتقال إلى باريس لصقل موهبته وتطويرها داخل واحدة من أهم منارات الفن التشكيلي في أوروبا، وهي مدرسة الفنون الجميلة بالعاصمة الفرنسية.
 
المقام الفرنسي، مكنه من الاستفادة من توجيهات ومساعدة فنانين ونقاد كبار ساهموا في صنع مكانة مميزة للبوهيمي المغربي، الذي وجد في الفن التشكيلي متنفسه وبديله للالتفاف على حالات الاكتئاب الحادة التي لازمته حتى رحيله، وممارسة الحرية المطلقة، التي لطالما حمل إحساسا بفقدانها والتوق الشديد إليها. باريس كانت أيضا منطلقه لعرض لوحاته في دول عديدة مثل اليابان والمكسيك وألمانيا.

وجاء تقديم الكتاب الهام الذي تضمن قراءات نقدية في أعمال الجيلالي الغرباوي بمناسبة معرض يعتبر الأول في المغرب عن فنان عانى التهميش والنسيان طويلا في وطنه الأم، لأسباب في مقدمتها اختياراته الفنية المعقدة والخارقة للسائد في الذوق والممارسة الفنيين آنذاك، ورهانه غير المحدود على الحرية الجامعة في اللون والحركة.

ويضم المعرض، الذي ينظمه متحف بنك المغرب (المصرف القومي) أكثر من ثمانين لوحة تعكس التنوع المدهش في أعمال وأساليب الفنان الراحل، فضلا عن منحوتات ورسومات أخرى، علما بأن آخر معرض تكريمي له يعود إلى أكثر من عقدين، وقد أقامه معهد العالم العربي بباريس.

وقدم المنظمون التراث التشكيلي للجيلالي الغرباوي بوصفه مدهشا بتنوعه. "فقد استطاع بفضل أسلوبه المتميز بإيماءات اندفاعية وعنيفة تدفع التجريد إلى أقصى مدى، بخلاف معايير الرسم المتعارف عليها في تلك الفترة، أن يساهم في إشعاع الفن التشكيلي المغربي خارج حدود المغرب".

محمد راشدي: عمل الغرباوي الإبداعي لا يخضع لأي مسعى تصوري يعتمد على تحليل منطقي ذهني لتحديد الأشكال، ذلك أن الحركة عند الغرباوي تسبق التفكير لا العكس

التجريد وأغوار الذات
الجيلالي الغرباوي هو أيضا الرسام المغربي الأكثر إثارة للجدل، وتمثل أعماله الغزيرة درجة عالية من التعقيد، بالقدر الذي كانت سيرته مضطربة ومعقدة. ويربط جل النقاد، الذين اشتغلوا بأعمال الغرباوي بينها وبين سيرته المضطربة التي سيطرت عليها عوارض الفصام.

ويقول عنه الناقد محمد راشدي في شهادته ضمن الكتاب "لقد استغور الغرباوي الأعماق البشرية ودواخل النفس التي تتنازعها ضروب الهلع الوجودي، وذلك من خلال جعل شخصيته البالغة التعقيد عنصرا متأصلا في صيرورة الخلق، وبهذا يمكن اعتبار نشاطاته الخلاقة الإبداعية سعيا دؤوبا ومحموما لسد الفجوات التي تقبع بداخله غائرة متربصة".

ويرى راشدي في معرض تحديده لسمات التراث التشكيلي للراحل أن "عمله الإبداعي لا يخضع لأي مسعى تصوري يعتمد على تحليل منطقي ذهني لتحديد الأشكال، ذلك أن الحركة عند الغرباوي تسبق التفكير لا العكس".

ويضيف راشدي أن من خصائص الغرباوي عنف الرسم، "ذلك العنف الحاسم الذي يأتي على شكل حركات متقطعة يرمي بها الفنان على جسم اللوحة حتى يكسبها من أثر ذلك حركية إيقاعية قوامها ظلال وجروح وخربشات وانقطاعات متتالية".

ويبرر باحث الجماليات فريد الزاهي، الذي سهر على تنسيق محتويات الكتاب واجب تكريم ذكرى الجيلالي الغرباوي بقوله إن التشكيل المغربي يدين لهذا الفنان بحداثته وعالميته.

ففي غياب تقاليد تشكيلية معينة، كما يقول الزاهي وجد الغرباوي نفسه في مواجهة سؤال مزدوج يجعله ينفلت من إنكار التصوير المحلي ومن فتنة الصور الاستشراقية، التي تشبثت بغرابة المغرب كي تجعل منه أساسا لها. تلك جوانب من سيرة فنان يحلو للبعض أن يؤطر لوحاته تحت عنوان "الحركية الجامحة".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة